ويقدّم سبحانه من بعد ذلك حَيْثية عدم فاعلية مكرهم، فيقول :
فلا تحسَبنّ١ الله مُخلف وعده رسله إن الله عزيز٢ ذو انتقام ٤٧
ولو كان لمكرهم مفعول أو فائدة لَما قال الحق سبحانه أن وعده لرسله لن يُخلَف، ولكن مكرهم فاسد من أوله وبلا مفعول، وسبحانه هو القائل :
ولقد سبقت كلِمتنا لعبادنا المرسلين ١٧١ إنهم لهم المنصورون ١٧٢ وإنّ جُندنا لهم الغالبون ١٧٣ ( الصافات ).
إذن : فوعد الله لرسله لا يمكن أن يُخلَف.
والوعود في القرآن كثيرة ؛ فهناك وعد الشيطان لأوليائه، مصداقا لقول الحق سبحانه :
الشيطان يعِدكم الفقر٣ ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا.. ٢٦٨ ( البقرة ).
وهناك وعد من الله للمؤمنين :
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيستخلفنّهم في الأرض.. ٥٥ ( النور ).
فإذا كان الحق سبحانه لا يُخلف وعده لأتباع الرسول، أيُخلِف وعده للرسول ؟
طبعا لا، لأن الوعد على إطلاقه من الله، مُوفىً فكيف إذا كان للرسل وللمؤمنين ؟ يقول الحق سبحانه وتعالى :
إنّا لننصر رسُلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ٥١ ( غافر ).
والنصر يقتضي هزيمة المقابل، ويحتاج النصر لصفة تناسبه ؛ والصفات المناسبة هي صدوره من عزيز لا يُغلب، والهزيمة لمن كفروا تحتاج إلى صفة، والصفة المناسبة هي تحقّق الهزيمة بأمر مُنتقم جبّار.
٢ العزيز: من صفات الله عز وجل وأسمائه الحسنى. قال الزجاج: هو الممتنع فلا يغلبه شيء. وقال غيره: هو القوي الغالب كل شيء. [لسان العرب - مادة: عزز]..
٣ قال ابن كثير في تفسيره (١/٣٢١): (أي: يخوفكم الفقر لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقون في مرضاة الله، وهو مع نهيه عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي