قوله : رُّبَمَا يَوَدُّ في " رُبَّ " قولان :
أحدهما : أنها حرف جرٍِّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، وابنُ الطَّراوة : أنها اسمٌ، ومعناها : التَّقليلُ على المشهور.
وقيل : تفيد التكثير في مواضع الافتخار ؛ كقوله :[ الطويل ]
فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ *** بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ١
وقد أجيب عن ذلك : بأنها لتقليل النَّظير.
وفيها سبعة عشرة لغة وهي :
" رُبَّ " بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و " رُب " بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و " رُبُّ " بضم الراء والباء معاً مشددة ومخففة، و " رُبَّت ".
وأشهرها :" رُبَّ " بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية٢ قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصروف٣، وزيد بن علي :" رُبَّتما "، ولها أحكام كثيرة :
منها : لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها ؛ وقوله :[ الخفيف ]
رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ *** وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي٤
ضرورة في رواية من جرَّ " الجَاملِ ".
ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه ؛ كقوله :[ البسيط ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ٥
والمطابقة ؛ نحو : ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو : رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها ؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عدم ذلك ؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند :[ مجزوء الكامل ]
يَا رُبَّ قائلةٍ غَدًا *** يَا لَهْفَ أم مُعاوِيَه٦
ومن مجيء المستقبل، قوله :[ الوافر ]
فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي *** عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ٧
وقول هند :[ مجزوء الكامل ]
يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً ***. . . . . . . . . . . . . . . . ٨
وقول سليم :[ الطويل ]
ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى *** سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ٩
فإن حرف التنفيس، و " غداً " خلَّصاه للاستقبال.
و " رُبَّ " تدخل على الاسم، و " رُبَّما " على الفعل، ويقال : ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
و " ما " في " رُبمَا "، تحتمل وجهين :
أظهرهما : أنها المهيئة، بمعنى أنَّ " رُبَّ " مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا " ما " هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [ يونس : ٢٧ ] في " إنَّ " وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل ؛ كقوله :[ الخفيف ]
رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّل فِيهِمْ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ١٠
في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه.
والثاني : أنَّ " مَا " نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على " ما " محذوف تقديره : ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال : لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه ؛ كقوله تعالى : أتى أَمْرُ الله [ النحل : ١ ] ونحوه.
قوله :" لَوْ كَانُوا " يجوز في " لَوْ " وجهان : أحدهما : أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول " يوَدُّ " محذوف على هذا التقدير، أي : ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية.
والثاني : أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [ البقرة : ٩٦ ] ؛ وحينئذ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي : يودُّون كونهم مسلمين، إن جعلنا " ما " كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت " لَوْ " وما في حيِّزها بدلاً من " مَا ".
فصل
المعنى : يتمنَّى الذين كفورا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها.
قال الضحاك : حال المعاينة١١.
وقيل : يوم القيامة.
والمشهور : أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار.
روى أبو موسى الأشعريُّ -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ : ألَسْتُم مُسْلمينَ ؟ قالوا : بَلى، قالوا : فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا : كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [ فيغفر ]١٢ الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحينئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ " ١٣.
فإن قيل :" رُبمَا " للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار.
فالجواب : أنَّ " رُبمَا " يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض ؛ فيقولون : ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال :[ البسيط ]
أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ١٤
وقيل : التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى : أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثيره ؟.
وقيل : إنْ شغلهم بالعذاب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً.
فإن قيل : إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ.
فالجواب : أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا ؛ فإن الله –تعالى- يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزياداتِ ؛ كما قال تعالى : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ [ الحجر : ٤٧ ].
٢ ينظر: السبعة ٣٦٦ والحجة ٥/٣٥ وإعراب القراءات السبع ١/٣٣٩ وحجة القراءات ٣٨٠ والإتحاف ٢/١٧٣ والمحرر الوجيز ٣/٣٤٩ والبحر المحيط ٥/٤٣٣ والدر المصون ٤/٢٨٥..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٣/٣٤٩ والبحر المحيط ٥/٤٣٣ والدر المصون ٤/٢٨٥..
٤ تقدم..
٥ عجز بيت وصدره:
واه رأيت وشيكا صدع أعظمه ***......................
ينظر الأشموني ٢/٤٠٧، الكافية الشافية ٢/٧٩٤، شرح التسهيل ١/١٦٢، الهمع ١/٦٦، الألوسي ١٤/٥، العيني ٣/٢٥٧، الدرر ١/٤٥، اللسان: عطب..
٦ ينظر: المغني ١/١٣٧، الهمع ٢/٢٨، الدرر ٢/٢٢، البحر ٥/٤٣٣ روح المعاني ١٤/٦، شواهد المغني للبغدادي ٣/٢١٢..
٧ البيت لمحمد بن مالك الضبي. ينظر: أمالي القالي ١/٢٧٨١. سمط اللآلي ٦١٧، الخزانة ٤/٤٨٤، الجني الداني ٤٥٢، ٤٥٧، المغني ١/١٤٦، رصف المباني ٢٧١، شواهد المغني للسيوطي ٤٠٧، شواهد المغني للبغدادي ٣/٢٠٣. البحر ٥/٤٣٣..
٨ تقدم..
٩ ينظر: روح المعاني ١٤/٦، شواهد المغني للبغدادي ٣/٢٠٤..
١٠ تقدم..
١١ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٤٣)..
١٢ في ب: فيتفضل..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٨٩) وابن أبي عاصم في "السنة" (٢/٤٤٢) والحاكم (٢/٤٠٥) والطبراني كما في مجمع الزوائد" (٧/٤٨) من طريق خالد بن نافع الأشعري عن سعيد بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعا.
وقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وخالد بن نافع فيه ضعف.
فقد ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/٣٥٥) ونقل عن أبيه قوله: شيخ ليس بالقوي وقال أبو زرعة ضعيف الحديث.
وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/٤٨): وفيه خالد بن نافع الأشعري قال أبو دواد: متروك، قال الذهبي: هذا تجاوز في الحد فلا يستحق الترك فقد حدث عنه أحمد بن حنبل وغيره.
وللحديث شاهد عن ابن عباس موقوفا:
أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٨٩) والحاكم (٢/٣٥٣) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وله شاهد آخر:
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٢/٤٠٦) رقم (٨٤٤) من طريق أبي الخطاب العتكي عن أنس بن مالك مرفوعا..
١٤ تقدم..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود