وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ معطوف على وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش وما بينهما اعتراض. قرأ حمزة «الريح » بالتوحيد. وقرأ من عداه الرياح بالجمع. وعلى قراءة حمزة فتكون اللام في الريح للجنس. قال الأزهري : وجعل الرياح لواقح لأنها تحمل السحاب : أي تقله وتصرفه، ثم تمرّ به فتنزله. قال الله سبحانه : حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً [ الأعراف : ٥٧ ] أي : حملت. وناقة لاقح : إذا حملت الجنين في بطنها. وبه قال الفراء وابن قتيبة. وقيل : لواقح بمعنى : ملقحة. قال ابن الأنباري : تقول العرب : أبقل النبت فهو باقل أي : مبقل. والمعنى : أنها تلقح الشجر أي : بقوّتها ؛ وقيل : معنى لواقح ذوات لقح. قال الزجاج : معناه وذات لقحة، لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدرّ اللقحة. يقال : رامح أي : ذو رمح، ولابن أي : ذو لبن، وتامر أي : ذو تمر. قال أبو عبيدة : لواقح بمعنى ملاقح، ذهب إلى أنها جمع ملقحة. وفي هذه الآية تشبيه الرياح التي تحمل الماء بالحامل، ولقاح الشجر بلقاح الحمل.
فأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء أي : من السحاب وكل ما علاك فأظلك فهو سماء، وقيل : من جهة السماء، والمراد بالماء هنا ماء المطر فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ أي : جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم. قال أبو عليّ : يقال سقيته الماء إذا أعطيته قدر ما يروى ؛ وأسقيته نهراً أي : جعلته شرباً له، وعلى هذا فأسقيناكموه أبلغ من سقيناكموه ؛ وقيل : سقى وأسقى بمعنى واحد وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بخازنين أي ليست خزائنه عندكم، بل خزائنه عندنا، ونحن الخازنون له، فنفى عنهم سبحانه ما أثبته لنفسه في قوله : وَإِن مّن شَيء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وقيل المعنى : إن ما أنتم له بخازنين بعد أن أنزلناه عليكم : أي لا تقدرون على حفظه في الآبار والغدران والعيون، بل نحن الحافظون له فيها ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة إليه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله : وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجًا قال : كواكب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح قال : الكواكب العظام. وأخرج أيضاً عن عطية قال : قصوراً في السماء فيها الحرس. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال الرحيم : الملعون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إِلاَّ مَنِ استرق السمع أراد أن يخطف السمع كقوله : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة [ الصافات : ١٠ ]. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الضحاك قال : كان ابن عباس يقول :( إن الشهب لا تقتل، ولكن تحرق وتخبل وتجرح من غير أن تقتل ). وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله : وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَيء مَوْزُونٍ قال : معلوم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً مِن كُلّ شَيء مَوْزُونٍ قال : بقدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : الأشياء التي توزن. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : ما أنبتت الجبال مثل الكحل وشبهه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين قال : الدوابّ والأنعام. وأخرج هؤلاء عن منصور، قال : الوحش. وأخرج البزار، وابن مردويه، وأبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئاً، قال له : كن فكان ) وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله : إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ قال : المطر خاصة. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال :( ما نقص المطر منذ أنزله الله، ولكن تمطر أرض أكثر مما تمطر أخرى. ثم قرأ : وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود قال :( ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء )، ثم قرأ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ). وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله : وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ قال : يرسل الله الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب فتدرّ كما تدرّ اللقحة ثم تمطر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير قال : يبعث الله المبشرة فتقمّ الأرض قماً، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب فتجعله كسفاً ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركاماً، ثم يبعث اللواقح فتلقحه فتمطر. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والديلمي بسندٍ ضعيف عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( ريح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه ). وأخرج الطيالسي، وسعيد ابن منصور، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال :( كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن النساء، فكان بعض القوم يتقدّم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه )، فأنزل الله وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستأخرين ). وهذا الحديث هو من رواية أبي الجوزاء عن ابن عباس. وقد رواه عبد الرزاق، وابن المنذر من قول أبي الجوزاء قال الترمذي : وهذا أشبه أن يكون أصح. وقال ابن كثير : في هذا الحديث نكارة شديدة.
وأخرج الحاكم، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : المستقدمين : الصفوف المقدّمة، والمستأخرين : الصفوف المؤخرة. وقد وردت أحاديث كثيرة في أن خير صفوف الرجال أولها وشرّها آخرها. وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أوّلها. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ومقاتل بن حبان أن الآية في صفوف القتال. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن قال : المستقدمين : في طاعة الله، والمستأخرين في معصية الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال : يعني بالمستقدمين : من مات، وبالمستأخرين : من هو حيّ لم يمت. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً قال : المستقدمين : آدم ومن مضى من ذريته، والمستأخرين : في أصلاب الرجال. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن قتادة نحوه.