ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

وأرسلنا الرياحَ لواقحَ : حوامل للماء في أوعية السحاب، يقال : لقحت الناقة والشجرة إذا حملت، فهي لاقحة، وألْقَحَت الريحُ الشجرَ فهي ملقحة. ولواقح : جمع لاقحة، أي : حاملة، أو جمع ملقحة على حذف الميم الزائدة، فهي على هذا ملقحة للسحاب أو الشجر، ونظيره : الطوائح، بمعنى المطيحات في قوله١ :
ومُخْتَبِط مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ ***. . .
والرياح أربعة : صَبَا، ودَبُور، وجَنوب، وشمال. والعرب تسمي الجنوب الحامل واللاقحة، وتسمى الشمال الحائل والعقيم. وفي البخاري :" نُصِرْتُ بالصِّبَا، وأُهْلكَتْ عَادٌ بالدُّبُور " ٢. وروي أبو هريرة رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" الرِّيحُ الجنوب من الجنة، وهي اللواقح التي ذكر الله، وفيها منافع للناس " ٣. وفي الحديث :" الرِّيحُ من نفس الرحمان " ٤. والإضافة هنا إضافة خلق إلى خالق، كما قال :
مِن رُّوحِي [ الحجر : ٢٩ ]. ومعنى نفس الرحمان، أي : من تنفيسه وإزالة الكرب والشدائد، فمن التنفيس بالريح : النصر بالصبا، وذر الأرزاق بها، وجلب الأمطار، وغير ذلك مما يكثر عده. قاله ابن عطية.
والمختار في تفسير اللواقح : أنها حاملة للماء، قوله : فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه أي : جعلنا لكم سقيا. يقال : سقى وأسقى بمعنى واحد عند الجمهور. وما أنتم له بخازنين : بممسكين له في الجبال، والغدران، والعيون، والآبار، فتخرجونه متى شئتم، بل ذلك من شأن المدبر الحكيم، فإن طبيعة الماء تقتضي الغور، فوقوفه دون حد لا بد له من مسبب مخصص، وجريه بلا انتهاء لا يكون إلا بقدرة السميع العليم، الذي لا تتناهى قدرته. أو : وما أنتم له بخازنين ؛ بقادرين متمكنين من إخراجه وقت الاحتياج إليه. نفى عنهم ما أثبته لنفسه بقوله : عندنا خزائنُه .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ولقد جعلنا في سماء قلوب العارفين بروجاً، وهي المقامات التي ينزلون فيها بشموس عرفانهم، وهي : التوبة، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والصبر، والشكر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، والمشاهدة. وزيناها للناظرين ؛ أي : السائرين حتى يقطعوها جملة محمولين بعناية الجذب، حتى يَحلو لهم ما كان مُراً على غيرهم، وحفظنا سماء قلوبهم من طوارق الشيطان، إلا ما كان طيفاً خيالياً لا يثبت، بل يتبعه شهاب الذكر فيحرقه، وأرضَ النفوس مددناها لقيام رسم العبودية، وظهور عالم الحكمة وآثار القدرة، وألقينا فيها جبال العقول الرواسي، لتعرف الرب من المربوب الذي اقتضته الحكمة. وأنبتنا فيها من العلوم الرسمية والعقلية، ما قدر لها في العلم المكنون، وجعلنا لكم فيها من علم اليقين، وحق اليقين ما تتقوت به قلوبكم، وتعيش به أرواحكم وأسراركم، وتعولون به من لستم له برازقين من المريدين السائرين.
سُئل سهل رضي الله عنه عن القوت، فقال : هو الحي الذي لا يموت، فقيل : إنما سألناك عن القوام. فقال : القوام هو العلم، فقيل : سألناك عن الغذاء، فقال : الغذاء هو الذكر، فقيل : سألناك عن طعام الجسد، فقال : ما لَكَ وللجسد، دع من تولاَّه أولاً يتولاه آخراً، إذا دخلت عليه علة رده إلى صانعه، أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها. وأنشدوا :

يَا خادِمَ الجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ وتَطلُب الربْحَ مما فيه خُسْرَانُ
عليك بالنفسِ فاستكمل فَضِِيلَتَهَا فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
واستكمال فضيلة النفس هو تزكيتها وتحليتها حتى تشرق عليها أنوار العرفان، وتخرج من سجن الأكوان. وبالله التوفيق. ثم قال تعالى : وإن من شيء من الأرزاق المعنوية والحسية، أو العلوم اللدنية، والفتوحات القدسية إلا عندنا خزائنه ؛ فمن توجه بكليته إلينا فتحنا له خزائن غيبنا، وأطلعناه على مكنون سرنا شيئاً فشيئاً، وما نُنزله إلا بقدر معلوم . وقال الورتجبي : عِلْم الإشارة في الآية : دعوة العباد إلى حقائق التوكل، وهي : قطع الأسباب، والإعراض عن الأغيار، قيل : كان الجنيد رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، قال : فأين تذهبون ؟. وقال حمدون : قطع أطماع عبيدهِ عمن سواه بقوله : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، فمن رفع بعد هذا حاجته إلى غيره، فهو لجهله ولؤمه. هـ.
وأرسلنا رياح الهداية لواقح، تلقح الطمأنينة والمعرفة في قلوب المتوجهين، وتلقح اليقين والتوفيق في قلوب الصالحين، وتلقح الإيمان والهداية في قلوب المؤمنين، فأنزلنا من سماء الغيب ماء العلم اللدني، فأسقيناكموه على أيدي وسائط الشيوخ، أو بلا واسطة، وما أنتم له بخازنين، بل يفيض على قلوبكم عند غلبة الحال، أو لهداية مريد، أو عند الاحتياج إليه عند استفتاح القلوب، وإنا لنحن نُحيي قلوباً بالمعرفة واليقين ونميت قلوباً بالجهل والكفر، ونحن الوارثون ؛ لبقاء أنوارنا على الأبد. ولقد علمنا المستقدمين منكم إلى حضرة قدسنا بالاستعداد، وإعطاء الكلية من نفسه، ولقد علمنا المستأخرين عنها بسبب ضعف همته، وإن ربك هو يحشرهم ؛ فيُقرب قوماً لسبقهم، ويبعد آخرين لتأخرهم. إنه حكيم عليم.

١ صدر البيت:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ***...
والبيت للحارث بن نهيك في خزانة الأدب ١/٣٠٣، والكتاب١/٢٨٨، وللبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه ص ٣٦٢، ونهشل بن حري في خزانة الأدب ١/٣٠٣، ولضرار بن نهشل في الدرر ٢/٢٨٦، ومعاهد التنصيص ١/٢٠٢، وللحارث بن ضرار في شرح أبيات سيبويه ١/١١٠، ولنهشل، أو للحارث، أو لضرار، أو لمزرد بن ضرار، أو للمهلهل في المقاصد النحوية ٢/٤٥٤..

٢ أخرجه البخاري في الاستسقاء باب ٢٦، والمغازي باب ٢٩، وبدء الخلق باب ٥، وأحاديث الأنبياء باب ١، ومسلم في الاستسقاء حديث ١٧..
٣ أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤/١٧٩..
٤ أخرجه بلفظ: "الريح من روح الله" أبو داود في الأدب حديث ٥٠٩٧، وأحمد في المسند ٢/٢٦٨، ٥١٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/٣٦١، والحاكم في المستدرك ٤/٢٨٥..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير