ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهدا مشهدا كما هي في السياق :
ومما يرسله الله بقدر معلوم الرياح والماء :
( وأرسلنا الرياح لواقح، فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه. وما أنتم له بخازنين )
أرسلنا الرياح لواقح بالماء، كما تلقح الناقة بالنتاج ؛ فأنزلنا من السماء ماء مما حملت الرياح، فأسقيناكموه فعشتم به :
( وما أنتم له بخازنين )..
فما من خزائنكم جاء، إنما جاء من خزائن الله ونزل منها بقدر معلوم.
والرياح تنطلق وفق نواميس كونية، وتحمل الماء وفقا لهذه النواميس ؛ وتسقط الماء كذلك بحسبها. ولكن من الذي قدر هذا كله من الأساس ؟ لقد قدره الخالق، ووضع الناموس الكلي الذي تنشأ عنه كل الظواهر :
( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم ).
ونلحظ في التعبير أنه يرد كل حركة إلى الله حتى شرب الماء.. ( فأسقيناكموه ).. والمقصود أننا جعلنا خلقتكم تطلب الماء، وجعلنا الماء صالحا لحاجتكم، وقدرنا هذا وذاك. وأجريناه وحققناه بقدر الله. والتعبير يجيء على هذا النحو لتنسيق الجو كله، ورجع الأمر كله إلى الله حتى في حركة تناول الماء للشراب. لأن الجو جو تعليق كل شيء في هذا الكون بإرادة الله المباشرة وقدره المتعلق بكل حركة وحادث.. سنة الله هنا في حركات الأفلاك كسنته في حركات الأنفس.. تضمن المقطع الأول سنته في المكذبين، وتضمن المقطع الثاني سنته في السماوات والأرضين، وفي الرياح والماء والاستقاء. وكله من سنة الله التي يجري بها قدر الله. وهذه وتلك موصولتان بالحق الكبير الذي خلق الله به السماوات والأرض والناس والأشياء سواء.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير