تفسير المفردات : واللواقح : واحدها لاقح أي ذات لقاح وحمل. وأسقيناكموه : أي جعلناه لكم سقيا لمزارعكم ومواشيكم، تقول العرب إذا سقت الرجل ماء أو لبنا سقيته، وإذا أعدوا له ماء لشرب أرضه أو ماشيته قالوا أسقيته أو أسقيت أرضه أو ماشيته.
المعنى الجملي : بين سبحانه فيما سلف أنه أنزل النبات وجعل لنا فيه معايش في هذه الحياة وهنا أتبعه بذكر ما هو كالسبب في ذلك، وهو أنه تعالى مالك كل شيء وأن كل شيء سهل عليه، يسير لديه، فإن عنده خزائن الأشياء من النبات والمعادن النفيسة والمخلوقات البديعة مما لا حصر له.
الإيضاح : ثم فصل بعض ما في خزائنه من النعم فقال :
وأرسلنا الرياح لواقح أي إن من فضله على عباده إليهم أن أرسل إليهم الرياح لواقح، ويكون ذلك على ضروب.
( ١ ) أن يرسلها حاملات للسحاب، فتلقح بها الأشجار بما تنزل عليها من الأمطار فتغيرها من حال إلى حال، فتعطيها حياة جديدة، إذ تزدهر أزهارها، وتثمر أغصانها، بعد أن كانت قد ذبلت وصوّحت، وأصبحت في مرأى العين كأنها ميتة لا حياة فيها كما قال تعالى : وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت [ الأعراف : ٥٧ ].
( ٢ ) أن يرسلها ناقلة لقاح الأزهار الذكور إلى الأزهار الإناث لتخرج الثمر والفواكه للناس.
( ٣ ) أن يرسلها لتزيل عن الأشجار ما علق بها من الغبار، لينفذ الغذاء إلى مسامِّها فيكون ذلك رياضة للشجر والزرع كرياضة الحيوان.
فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه أي فأنزلنا من السحاب مطرا فأسقيناكم ذلك المطر لشرب زرعكم ومواشيكم، وفي ذلك استقامة أمور معايشكم، وتدبير شؤون حياتكم إلى حين كما قال : وجعلنا من الماء كل شيء حي [ الأنبياء : ٣٠ ].
وما أنتم له بخازنين أي ولستم بخازني الماء الذي أنزلناه، فتمنعوه من أن أسقيه من أشاء، لأن ذلك بيدي وهو خاضع لسلطاني، إن شئت حفظته على سطح الأرض، وإن شئت غار في باطنها وتخلل طبقاتها، فلا أبقي منه شيئا ينفع الناس والحيوان، ويسقي الزرع الذي عليه عماد حياتكم.
والخلاصة : نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب وإنزاله، وما أنتم على ذلك بقادرين.
تفسير المراغي
المراغي