قوله : وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب " إلاَ ".
وقرأ أبو عمرو١، والكسائي :" يَقْنِطُ " بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان " قنط " بكسر النون، " يَقنَطُ " بفتحها، وقنط " يقْنطُ " بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ " يقنط " بالفتح أن يقرأ ماضيه " قنِط " بالكسر، لكنهم أجمعوا على فتحه في قوله تعالى : مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ [ الشورى : ٢٨ ] والفتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه.
قال الفارسي : فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة " يَقْنَطُ " بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات " فلا تكن من القنطين " كفَرِح يفرح فهو فَرِحٌ.
والقُنُوط : شدَّة اليأسِ من الخَيرٍ، وحكى أبو عبيدة :" قَنُطَ " يَقْنُطُ بضمِّ النون.
قال ابن الخطيب٢ :" وهذا يدلُّ على أنَّ " قَنَطَ " بفتح النون أكثر ؛ لأن المضارع من " فَعَل " يجيء على " يَفْعِلُ ويَفْعُل " مثل : فَسقَ : ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ ".
فصل
جواب إبراهيم -صلوات الله وسلامه عليه- حق ؛ لأنَّ القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلاَّ عند الجهل بأمور :
أحدها : أن يجهل كونه –تعالى- قادراً عليه.
وثانيها : أن يجهل كونه –تعالى- عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.
وثالثها : أن يجهل كونه –تعالى-، منزّهاً عن البخل، والحاجة.
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، القُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ.
٢ ينظر: الفخر الرازي ١٩/١٥٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود