ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
( لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم، ولا تحزن عليهم، واخفض جناحك للمؤمنين. وقل : إني أنا النذير المبين )..
( لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم )..
والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أي يتوجه. ولكن التعبير التصويري يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهي صورة طريفة حين يتصورها المتخيل. والمعنى وراء ذلك ألا يحفل الرسول [ ص ] ذلك المتاع الذي آتاه الله لبعض الناس رجالا ونساء - امتحانا وابتلاء - ولا يلقي إليه نظرة اهتمام. أو نظرة استجمال. أو نظرة تمن. فهو شيء زائل وشيء باطل ؛ ومعه هو الحق الباقي من المثاني والقرآن العظيم.
وهذه اللفتة كافية للموازنة بين الحق الكبير والعطاء العظيم الذي مع الرسول، والمتاع الصغير الذي يتألق بالبريق وهو ضئيل. يليها توجيه الرسول [ ص ] إلى إهمال القوم المتمتعين، والعناية بالمؤمنين، فهؤلاء هم أتباع الحق الذي جاء به، والذي تقوم عليه السماوات والأرض وما بينهما ؛ وأولئك هم أتباع الباطل الزائل الطاريء على صميم الوجود..
( ولا تحزن عليهم )..
ولا تهتم لمصيرهم السييء الذي تعلم أن عدل الله يقتضيه، وأن الحق في الساعة يقتضيه. ودعهم لمصيرهم الحق.
( واخفض جناحك للمؤمنين )..
والتعبير عن اللين والمودة والعطف بخفض الجناح تعبير تصويري، يمثل لطف الرعاية وحسن المعاملة ورقة الجانب في صورة محسوسة على طريقة القرآن الفنية في التعبير.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير