ﭖﭗﭘ ﭚﭛﭜ

وَقِيلَ: "الْمُقْتَسِمُونَ" قَوْمٌ اقْتَسَمُوا الْقُرْآنَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شِعْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَذِبٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
وَقِيلَ: الِاقْتِسَامُ هُوَ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا الْقَوْلَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: سَاحِرٌ كَاهِنٌ شَاعِرٌ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَاقْتَسَمُوا عِقَابَ (١) مَكَّةَ وَطُرُقَهَا، وَقَعَدُوا عَلَى أَنْقَابِهَا يَقُولُونَ لِمَنْ جَاءَ مِنَ الْحُجَّاجِ: لَا تَغْتَرُّوا بِهَذَا الرَّجُلِ الْخَارِجِ الَّذِي يَدَّعِي النُّبُوَّةَ مِنَّا. وَتَقُولُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ، وَطَائِفَةٌ: إِنَّهُ كَاهِنٌ، وَطَائِفَةٌ: إِنَّهُ شَاعِرٌ، وَالْوَلِيدُ قَاعِدٌ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ نَصَّبُوهُ حَكَمًا فَإِذَا سُئِلَ عَنْهُ قَالَ: صَدَقَ (٢) أُولَئِكَ [يَعْنِي] (٣) الْمُقْتَسِمِينَ (٤).
وَقَوْلُهُ: عِضِينَ قِيلَ: هُوَ جَمْعُ عُضْوٍ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَضَيْتُ الشَّيْءَ تَعْضِيَةً، إِذَا فَرَّقْتُهُ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْقُرْآنَ أَعْضَاءً، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كِهَانَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ عِضَةٍ: يُقَالُ: عِضَةٌ وَعِضِينُ مِثْلُ بِرَةٍ وَبِرِينَ وَعِزَةٍ وَعِزِينَ، وَأَصْلُهَا: عِضْهَةٌ ذَهَبَتْ هَاؤُهَا الْأَصْلِيَّةُ، كَمَا نَقَصُوا مِنَ الشَّفَةِ وَأَصْلُهَا شَفَهَةٌ، بِدَلِيلِ: أَنَّكَ تَقُولُ فِي التَّصْغِيرِ شُفَيْهَةً، وَالْمُرَادُ بِالْعِضَةِ الْكَذِبُ وَالْبُهْتَانُ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعِضِينَ الْعِضَهُ، وَهُوَ السِّحْرُ، يُرِيدُ: أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْقُرْآنَ سِحْرًا (٥).
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: عَنْ قَوْلِهِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" (٦).
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (الرَّحْمَنِ-٣٩).
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ هَلْ عَمِلْتُمْ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ وَاعْتَمَدَهُ قُطْرُبُ فَقَالَ: السُّؤَالُ ضَرْبَانِ، سُؤَالُ اسْتِعْلَامٍ، وَسُؤَالُ تَوْبِيخٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (الرَّحْمَنِ-٣٩)

(١) عقاب: جمع عقبة، والعقبة هي المرقى الصعب من الجبال.
(٢) في "ب" سل.
(٣) ساقط من "ب".
(٤) انظر هذه الأقوال وتخريجها في الطبري: ١٤ / ٦١-٦٤، الدر المنثور: ٥ / ٩٨، زاد المسير: ٤ / ٤١٧-٤١٨، فتح الباري: ٨ / ٣٨٢.
(٥) انظر: زاد المسير: ٤ / ٤١٨-٤١٩، الطبري: ٤ / ٦٤-٦٦.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٦٧.

صفحة رقم 394

معالم التنزيل

عرض الكتاب
المؤلف

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي

تحقيق

محمد عبد الله النمر

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1417
الطبعة الرابعة
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية