ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

الآية الثالثة عشرة : قوله تعالى : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام [ النحل : ١١٦ ].
٥٧٤- ابن العربي : قال ابن وهب : قال لي مالك : لم يكن من فتيا١ المسلمين أن يقولوا : هذا حرام وهذا حلال، ولكن يقولون : إنا نكره هذا، ولم أكن لأصنع هذا فكان الناس يطيعون ذلك، ويرضون به. ٢
٥٧٥- ابن العربي : روى ابن القاسم عن مالك : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في اليوم الذي مات فيه : " لا يتكل الناس على شيء لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله، اعملا لما عند الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا ". ٣
٥٧٦- الشاطبي : قال مالك : ما شيء أشد علي، من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام ؛ لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كان الموت أشرف عليه. ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدا لقللوا من هذا. ٤

١ -الفتيا: بيان حكم المسألة، التعريفات: ٣٢..
٢ -أحكام القرآن لابن العربي: ٣/١١٨٣ وزاد ابن العربي معقبا: "ومعنى هذا أن التحريم والتحليل إنما هو لله كما تقدم بيانه، فليس لأحد أن يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون الباري يخبر بذلك عنه، وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول: إني أكره كذا، وكذلك كان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى.
فإن قيل: فقد قال فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام- أنها حرام- وتكون ثلاثا، قلنا: سيأتي بيان ذلك في سورة التحريم إن شاء الله. ونقول هاهنا: إن الرجل هو الذي ألزم ذلك لنفسه فألزمه مالك ما التزم.
جواب آخر وهو أقوى، وذلك أن مالكا لما سمع علي بن أبي طالب يقول: "أنها حرام أفتى بذلك اقتداء به". وينظر: الجامع: ١٠/ ١٩٦، والموافقات: ٤/٢٨٧، وروح المعاني: م٥ ج١٤/٢٤٨، والجواهر الحسان: ٢/٣٢٥..

٣ - أحكام القرآن لابن العربي: ٣/ ١٤٣٨..
٤ - الموافقات: ٤/٢٨٧. وقد أورد الإمام الشاطبي مجموعة من المواقف للإمام مالك تتعلق بهذه المسألة نورد منها للاستفادة ما يلي:
قال الشاطبي: قال موسى بن داود: ما رأيت أحدا من العلماء أكثر أن يقول: "لا أحسن" من مالك؟ وربما سمعته يقول: ليس نبتلي بهذا الأمر، ليس هذا ببلدان، وكان يقول للرجل يسأله: اذهب حتى أنظر في أمرك، قال الراوي: فقلت: إن الفقه من باله وما رفعه الله إلا بالتقوى. وسأل رجل مالكا: عن مسألة، وذكر أنه أرسل من مسيرة ستة أشهر من المغرب فقال له: أخبر الذي أرسلك أن لا علم لي بها. قال: ومن يعلمها؟ قال: من علمه الله. وسأله رجل عن مسألة استودعه إياها أهل المغرب، فقال: ما أدري ما ابتلينا بهذه المسألة ببلدنا، ولا سمعنا أحدا من أشياخنا تكلم فيها، ولكن تعود. فلما كان من الغد جاء وقد حمل ثقله على بغله يقوده، فقال: مسألتي! فقال: ما أدري ما هي؟ فقال الرجل: يا أبا عبد الله تركت خلفي من يقول: ليس على وجه الأرض أعلم منك، فقال مالك غير مستوحش: إذا رجعت فأخبرهم أني لا أحسن، وسأله آخر فلم يجبه، فقال له: يا أبا عبد الله أجبني؟ فقال: ويحك تريد أتجعلني حجة بينك وبين الله، فأحتاج أنا أولا أنظر كيف خلاصي ثم أخلصك.
وسئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنين وثلاثين منها: لا أدري. وسئل من العراق عن أربعين مسألة فما أجاب منها إلا في خمس وقال: قال ابن عجلان إذا أخطأ العالم "لا أدري" أصيبت مقاتله. ويروى هذا الكلام عن ابن عباس.
وقال – يعني مالكا- سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي أن يورث العالم جلساءه قول "لا أدري" وكان يقول في أكثر ما يسأل عنه: لا أدري، قال عمر بن يزيد فقلت لمالك في ذلك، فقال: يرجع أهل الشام إلى شامهم، وأهل العراق إلى عراقهم، وأهل مصر إلى مصرهم، ثم لعلي أرجع عما أرجع أفتيهم به قال: فأخبرت الليث بذلك، فبكى وقال: مالك والله أقوى من الليث.
وسئل مرة عن نيف وعشرين مسألة، فما أجاب منها إلا في واحدة، وربما سئل عن مائة مسألة فيجيب منها في خمس أو عشر، ويقول في الباقي: لا أدري.
وقال أبو مصعب: قال المغيرة: تعالوا نجمع كل ما بقي علينا ما نريد أن نسأل عنه مالكا. فمكثنا نجمع ذلك، وكتبناه، في قنداق ووجه به المغيرة إليه، وسأله الجواب، فأجاب في بعضه وكتب في الكثير منه: لا أدري. فقال المغيرة: يا قوم لا والله ما رفع الله هذا الرجل إلا بالتقوى من كان منكم يسأل عن هذا فيرضى أن يقول لا أدري؟
والروايات في "لا أدري" و"لا أحسن" كثيرة، حتى قيل لو شاء رجلا أن يملأ صحيفته من قول مالك، "لا أدري" لفعل قبل أن يجيب في مسألة. وقيل له: إذا قلت أنت يا أبا عبد الله لا أدري فمن يدري؟ قال: ويحك! أعرفتني؟ ومن أنا؟ وأين منزلتي حتى أدري ما لا تدرون ثم أخذ يحتج بحديث ابن عمر. وقال: هذا ابن عمر يقول: لا أدري فمن أنا؟ وإنما أهلك الناس العجب وصلب الرياسة، وهذا يضمحل عن قليل.
قال ابن وهب: سمعته يعيب كثرة الجواب من العالم حين يسأل. قال: وسمعته عندما يكثر عليه من السؤال يكف ويقول: حسبكم! من أكثر أخطأ. وكان يعيب كثرة ذلك": ٤/٢٨٧-٢٨٨.
وفي نفس المصدر أيضا: "قال ابن وهب: قال لي مالك: وهو ينكر كثرة الجواب للمسائل يا عبد الله ما علمته فقل به ودل عليه، وما لم تعلم، فأسكت عنه، وإياك أن تتقلد للناس قلادة سوء": ٤/٣١٦-٣١٧. وينظر: فتاوي الإمام الشاطبي: ٨٠-٨١، والاعتصام: ٢/٥٥..

تفسير الإمام مالك

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير