(ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام).
صفحة رقم 331
قال الكسائي والزجاج (ما) مصدرية، والكذب منتصب بلا تقولوا أي لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم، ومعناه لا تحللوا، ولا تحرموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة، وقيل (ما) موصولة والكذب منتصب بتصف أي لا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه؛ فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً فيكون هذا حلال وهذا حرام بدلاً من الكذب.
قال مجاهد: في البحيرة والسائبة، وقيل يعني قولهم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا من غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي.
وقيل في الكلام حذف بتقدير القول أي فتقول هذا حلال وهذا حرام أو قائلة هذا حلال وهذا حرام، وقيل لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب، وقرئ كذب بضم الثلاثة على أنه نعت للألسنة، وقرئ ككتف نعتاً لما أو بدلاً منها، ولا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام.
عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا.
قلت صدق رحمه الله فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتياً من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة وأنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاواهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل:
| كبهيمة عمياء قاد زمامها | أعمى على عوج الطريق الحائر |
(لتفتروا) اللام هي لام العاقبة لا لام الغرض، أي فيتعقب ذلك افتراؤكم (على الله الكذب) بالتحليل والتحريم وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه.
(إن الذين يفترون على الله الكذب) أي افتراء كان (لا يفلحون) بنوع من أنواع الفلاح والفوز بالمطلوب لا في الدنيا ولا في الآخرة بدليل ما بعده صفحة رقم 333
فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري