ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدّم، فقال : وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتكُمُ الكذب قال الكسائي، والزجاج :«ما » هنا مصدرية. وانتصاب الكذب ب لا تقولوا أي : لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم، ومعناه : لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة، ويجوز أن تكون «ما » موصولة، والكذب منتصب ب تصف أي : لا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حَرَامٌ فحذف لفظة فيه لكونه معلوماً، فيكون قوله : هذا حلال وهذا حرام بدلاً من الكذب، ويجوز أن يكون في الكلام حذف بتقدير القول : أي ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم، فتقول : هذا حلال وهذا حرام، أو قائلة هذا حلال وهذا حرام، ويجوز أن ينتصب الكذب أيضاً ب تصف وتكون «ما » مصدرية، أي : لا تقولوا : هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب. وقرئ «الكذب » بضم الكاف والذال والباء على أنه نعت للألسنة، وقرأ الحسن بفتح الكاف وكسر الذال والباء نعتاً ل«ما ». وقيل : على البدل من «ما » أي : ولا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام، واللام في لتَفْتَرُوا على الله الكذب هي لام العاقبة، لا لام العرض، أي : فيتعقب ذلك افتراؤكم على الله الكذب بالتحليل والتحريم، وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب أي افتراء كان لاَ يُفْلِحُونَ بنوع من أنواع الفلاح، وهو الفوز بالمطلوب ؛ وارتفاع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً قال : يعني مكة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية في الآية مثله. وزاد فقال : ألا ترى أنه قال : وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ منْهُمْ فَكَذَّبُوهُ . وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : القرية التي قال الله كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً هي يثرب.
قلت : ولا أدري أي دليل دله على هذا التعيين، ولا أيّ قرينة قامت له على ذلك، ومتى كفرت دار الهجرة ومسكن الأنصار بأنعم الله، وأيّ وقت أذاقها الله لباس الجوع والخوف، وهي التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد كما صحّ ذلك عن الصادق المصدوق. وصحّ عنه أيضاً أنه قال :( والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ). وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب الآية، قال : في البحيرة والسائبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال : قرأت هذه الآية في سورة النحل وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب الآية قال : في البحيرة والسائبة. وأخرج ابن أبي نضرة قال : قرأت هذه الآية في سورة النحل ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حَرَامٌ إلى آخر الآية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا. قلت : صدق رحمه الله، فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتياً من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدّمين له على الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنّة كالمقلدة، وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير، فضلوا وأضلوا، فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل :

كبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الجائر
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : عسى رجل أن يقول : إن الله أمر بكذا، أو نهى عن كذا، فيقول الله عزّ وجلّ له : كذبت ؛ أو يقول : إن الله حرّم كذا أو أحلّ كذا، فيقول الله له : كذبت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله : وعلى الذين هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ قال : في سورة الأنعام. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة مثله، وقال : حيث يقول : وَعَلَى الذين هَادُوا إلى قوله : وِإِنَّا لصادقون [ الأنعام : ١٤٦ ].

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية