قلت : وما يشعرون أيان يبعثون ، الضمير الأول للأصنام، والثاني للكفار الذين عبدوهم، وقيل : للأصنام فيهما، وقيل : للكفار فيهما.
وهم، أيضًا، أمواتٌ غير أحياء أي : لم تكن لهم حياة قط، ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدمت له حياة، ثم مات. والإله ينبغي أن يكون حيًا بالذات لا يعتريه الممات. وما يشعرون أيّان يُبعثون أي : لا يعلمون وقت بعثهم، أو بعثِ عَبَدَتِهِمْ، فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه من عبدهم، والإله ينبغي أن يكون عالمًا بالغيوب، قادرًا على الجزاء لمن عبده ؟ وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف.
قاله البيضاوي.
قال ابنُ جُزَيْ : نفى عن الأصنام صفة الربوبية، وأثبت لهم أضدادها ؛ وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين وقت البعث.
والخصلة الثانية : تذكر البعث وما بعده، وتقريبُه وجعله نصب العين ؛ إذ بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية، والاستعداد والتأهب للدار الباقية، وبه تلين القلوب، وتتحقق بعلم الغيوب، وبه يحصل الخضوع للحق، والتعظيم لمن جاء به. بخلاف من أنكره، أو استبعده، قال تعالى : فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون . حَرَامٌ على مَنْ وَحَّد الله رَبَّهُ وأفْرَدَهُ أَنْ يَحْتَذِي أحدًا رِفْدَا فَيَا صَاحِبي قفْ بي عَلَى الحَقِّ وَقْفةً أَمُوتُ بها وَجْدًا وأحْيَا بِها وَجْدا وقُلْ لمُلوكِ الأرْضِ تَجْهَدُ جُهدها فَذَا المُلك مُلكٌ لا يُباع ولا يُهدى
الخصلة الثالثة : التواضع والخضوع لله، ولمن دعا إلى الله، وهو سبب المحبة من الله، ورفع الدرجات عند الله ؛ قال صلى الله عليه وسلم :" مَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ، ومَنْ تَكَبر وَضَعَهُ الله ". وقال أيضًا :" مَنْ تَوَاضَعَ دُون قَدْره، رَفَعَهُ فوق قَدْره ". بخلاف المتكبر ؛ فإنه ممقوت عند الله، مطرود عن باب الله ؛ قال تعالى : إنه لا يحب المستكبرين . وفي الحديث :" لاَ يَدْخُلُ الجنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدلٍ مِنْ كِبْرٍ " ١، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، " والتكبر : بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس " ٢، أي : جحد الحق، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي