ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

ثم ذكر صفة أخرى من صفاتهم فقال : أموات غَيْر أَحْيَاء يعني : أن هذه الأصنام أجسادها ميتة، لا حياة بها أصلاً، فزيادة غير أحياء لبيان أنها ليست كبعض الأجساد التي تموت بعد ثبوت الحياة لها، بل لا حياة لهذه أصلاً، فكيف يعبدونها وهم أفضل منها ؟ لأنهم أحياء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ الضمير في يشعرون للآلهة، وفي يبعثون للكفار الذين يعبدون الأصنام، والمعنى : ما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار، ويكون هذا على طريقة التهكم بهم، لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة فضلاً عن الأمور التي لا يعلمها إلاّ الله سبحانه، وقيل : يجوز أن يكون الضمير في يبعثون للآلهة، أي : وما تشعر هذه لأصنام أيان تبعث، ويؤيد ذلك ما روي أن الله يبعث الأصنام ويخلق لها أرواحاً معها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، ويدل على هذا قوله : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : ٩٨ ]. وقيل : قد تمّ الكلام عند قوله : وَهُمْ يُخْلَقُونَ ثم ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، فيكون الضميران على هذا للكفار، وعلى القول بأن الضميرين أو أحدهما للأصنام يكون التعبير عنها مع كونها لا تعقل بما هو للعقلاء جرياً على اعتقاد من يعبدها بأنها تعقل. وقرأ السلمي «إيان » بكسر الهمزة، وهما لغتان، وهو في محل نصب بالفعل الذي قبله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ثم بين سبحانه أن عذابهم غير مقصور على عذاب الدنيا. فقال : ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ بإدخالهم النار، ويفضحهم بذلك ويهينهم، وهو معطوف على مقدّر، أي هذا عذابهم في الدنيا، ثم يوم القيامة يخزيهم { وَيَقُولُ لهم مع ذلك توبيخاً وتقريعاً أَيْنَ شُرَكَائِي كما تزعمون وتدّعون، قرأ ابن كثير من رواية البزي «شركاي» من دون همز، وقرأ الباقون بالهمز، ثم وصف هؤلاء الشركاء بقوله : الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ قرأ نافع بكسر النون على الإضافة، وقرأ الباقون بفتحها، أي : تخاصمون الأنبياء والمؤمنين فيهم، وعلى قراءة نافع تخاصمونني فيهم وتعادونني، ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب النازل بكم.
وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : لاَ جَرَمَ يقول : بلى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك لاَ جَرَمَ قال : يعني الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : لا كذب. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وغيرهم عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان )، فقال رجل : يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال :( إن الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس ) وفي ذمّ الكبر، ومدح التواضع أحاديث كثيرة، وكذلك في إخراج محبة حسن الثوب وحسن النعل، ونحو ذلك من الكبر أحاديث كثيرة. والحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن ماهية الكبر أنه بطر الحق وغمص الناس، فهذا هو الكبر المذموم. وقد ساق صاحب الدرّ المنثور عند تفسيره لهذه الآية : أعني قوله سبحانه : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين أحاديث كثيرة ليس هذا مقام إيرادها، بل المقام مقام ذكر ما له علاقة بتفسير الكتاب العزيز. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : قَالُوا أساطير الأولين أن ناساً من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا مرّوا سألوهم فأخبروهم بما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنما هو أساطير الأوّلين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ الآية يقول يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم. وذلك مثل قوله سبحانه : وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ [ العنكبوت : ١٣ ]. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه، وزاد : ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ قال : نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن زيد بن أسلم أنه النمروذ أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد قال : أتاها أمر الله من أصلها فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ والسقف : أعالي البيوت فائتكفت بهم بيوتهم، فأهلكم الله ودمرهم وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس تشاقون فِيهِمْ قال : تخالفوني.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية