٢ لكم فيها جمال : المتبادر أن المقصد الإشارة إلى ما في منظر الأنعام وهي تغدو وتروح من مشهد جميل ومأنوس وبخاصة بالنسبة لأصحابها والحياة التي كان يحياها العرب الذين هم أول من خطبوا بالقرآن.
تريحون : ترجعون الأنعام إلى مراحها أي حظائرها وزرائبها بعد الرعي.
تسرحون : تذهبون بها إلى الرعي في الصبح المبكر.
في الآيات تعداد لنعم الله على الناس وتذكير بما هيأه وسخره لهم من وسائل الحياة والمعاش ونواميس الكون. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وقد جاءت كاستطراد بياني لما احتوته الآيات السابقة وبخاصة الآيتان الأخيرتان منها كما هو المتبادر بحيث يصح القول أنهما سياق واحد. وكل ما فيها قد مر في سور سابقة وشرحناه وعلقنا عليه. والمتبادر أن حكمة التنزيل اقتضت تكراره لتكرر المواقف وتنوعها، وهي موجهة إلى القلوب والعقول معا، ويزيد في استحكامها وإلزامها أن السامعين يعتقدون أن الله عز وجل هو الذي خلق كل ذلك وأغدق عليهم بكل هذه الأفضال ويسر لهم كل هذه الوسائل على ما حكته عنهم آيات عديدة مر منها بعض الأمثلة، وأسلوب الآيات ينطوي على تقرير هذا أيضا.
والآيات وإن كانت مطلقة الخطاب فإن الآية ( ١٧ ) تنطوي على تنديد، وهذا التنديد موجه على الأرجح إلى الكفار المشركين الذين ندد بهم في الآيات السابقة وهذا مما يؤيد ما قلناه آنفا من صلة الآيات بسابقاتها وكونها سياقا واحدا.
ومع أن التذكير بنعم الله وأفضاله على الناس ولفت أنظارهم إلى مشاهد الكون ونواميسه منبث في كثير من السور القرآنية وإن معظم ما جاء في هذه الآيات قد جاء في سور أخرى فإن هذه السلسلة أطول السلاسل القرآنية من حيث الشمول والروعة.
وننبه مرة أخرى إلى ما نبهنا إليه قبل من أن أسلوب هذه الآيات وما سبق من أمثالها لا يقتضي أن يكون الله قد خلق هذه الأكوان لأجل البشر وكل ما يعنيه أن ناموس الله في خلقه جعل البشر أكثر انتفاعا منها وعبر عن ذلك بالأسلوب الذي جاء به والله تعالى أعلم.
والآيات وإن كانت موجهة إلى سامعي القرآن لأول مرة فإن الخطاب فيها عام موجه لجميع الناس في كل ظرف أيضا، من حيث إن ما احتوته متصل بما يقع تحت مشاهدة الناس ومتناولهم وانتفاعهم في كل ظرف، ومن حيث إنها بسبيل التذكير بنعم الله على الناس والتنويه بالإنسان الذي اختصه الله دون غيره من الحيوان بقوى قابلة للانتفاع بنواميس كون الله في مختلف الوجوه والتكيف معها والحث على التفكير في آلاء الله ونواميسه للتوصل في ذلك أولا إلى القناعة بأن وراء هذه المشاهد والنواميس العظيمة البديعة المتقنة الدقيقة قوة عاقلة مدبرة حكيمة وبوجوب وجودها والخضوع لها وحدها والإيمان برسلها وكتبها والتزام حدود شرائعها التي أوحت بها لرسلها، وثانيا إلى استعمال ما أودعه الله في الناس من قوى للانتفاع منها.
وفي هذا الفصل صور من ارتفاقات العرب الذين يخاطبون به قبل غيرهم ومعايشهم ونعم الله عليهم بها في الأنعام والدواب والأسفار البحرية والاهتداء بالنجوم والطرق والأنهار وصيد السمك واستخراج اللؤلؤ والمرجان واستعمالهما في التحلي والتزين مما تكرر ذكره في آيات سابقة لأنها متصلة بحياة الناس ومعايشهم.
وفي جملة وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين تكرار لمعنى في آيات عديدة مرت في سور سابقة بأسلوب جديد بقصد بيان أن هناك طريقة واحدة مستقيمة وأخرى معوجة وأن على الله أن يبين للناس معالم الطريق المستقيمة ليسيروا فيها دون المعوجة، ولو شاء لهداهم جميعا إلى الأولى ولكن حكمته شاءت أن يدعهم لاختيارهم واجتهادهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا ويجزي كلا منهم بما يستحق. وفي جملة ويخلق مالا تعلمون إيذان رباني بعدم انحصار خلق الله فيما يعلم السامعون أو فيما هو موجود في زمنهم أو بيئتهم من مختلف أنواع الخلق، وبأن إرادة الله وخلقه متجددان غير متوقفين مباشرة أو بواسطة خلق موجود من خلقه مما ظهر مصداقه وما يزال يظهر في كل مكان ومختلف الصور والأشكال والأسباب.
ولقد أورد المفسر الطبرسي في سياق جملة وعلامات وبالنجم هم يهتدون قولا لأبي عبد الله أحد الأئمة الاثني عشر جاء فيه :( نحن العلامات والنجم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله جعل النجوم أمانا لأهل السماء وجعل أهل بيتي أمانا لأهل الأرض ) ولم يرد هذا في كتب الأحاديث الصحيحة. ومع الاحترام العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فالهوى الشعيي بارز على هذا القول، وليس له مناسبة في هذا المقام كما هو ظاهر.
تعليق على اختصاص آيات الأنعام
بالأكل والدواب للركوب
وبعض الفقهاء يستنبطون من اختصاص الأكل بالأنعام والركوب بالخيل والبغال والحمير تحريم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. وبعضهم لا يرى في ذلك دليلا، وهذا هو الأوجه لأن المتبادر أن الآيات بسبيل ذكر ما كان معروفا ممارسا وحسب. أما التحريم فلا يصح أن يكون إلا بنص صريح في القرآن أو نص صريح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكل ما سكت عن بيانه القرآن وورد بشأنه سنة صحيحة فتكون شريعة. وما لم يرد فيه سنة فيكون على الإباحة إذا لم يكن من الخبائث التي لا شك فيها. وقد روى المفسرون أحاديث بإباحة لحوم الخيل وتحريم لحوم البغال والحمير.
من ذلك حديث رواه البغوي بطرقه عن جابر قال :( نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في لحوم الخيل ) وروى عن جابر :( أنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه نهى عن لحوم البغال والحمير ). ولقد روى المفسر عن خالد بن الوليد :( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ) ولكنه عقب على هذا الحديث قائلا إن إسناده ضعيف. وقد أورد ابن كثير هذه الأحاديث وأحاديث أخرى من بابها، وشيء من ما ورد في هذه الأحاديث ورد في كتب الأحاديث الصحيحة من ذلك حديث رواه الخمسة عن أنس قال :( لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبرا أصبنا من القرية حُمُراً فطبخنا منها فنادى النبي صلى الله عليه وسلم : ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فإنها رجس من عمل الشيطان، فأكفئت القدور وإنها لتفور بما فيها ) ١ وحديث رواه أبو داود والترمذي عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها. ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قِراه )٢. وحديث رواه أبو داود ومسلم عن جابر قال :( نهانا النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن البغال والحمير ولم ينهانا عن الخيل ) ٣.
وحديث أورده المفسر القاسمي وذكر أنه ورد في الصحيحين عن أسماء قالت :( نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه ) فيوقف عند ذلك.
التفسير الحديث
دروزة