تفسير المفردات : والعبرة : الاعتبار والعظة، والفرث : كثيف ما يبقى من المأكول في الكرش والمعي. خالصا : أي مصفى من كل ما يصحبه من مواد أخرى. سائغا : أي سهل المرور في الحلق، يقال ساغ الشراب في الحلق وأساغه صاحبه، قال تعالى : يتجرعه ولا يكاد يسيغه [ إبراهيم : ١٧ ].
المعنى الجملي : بعد أن وعد المؤمنين بجنات تجري من تحتها الأنهار، وأوعد الكافرين بنار تلظى، جزاء ما دنسوا به أنفسهم من الإشراك بربهم، ونسبة البنات إليه، وافترائهم عليه ما لم ينزل به سلطانا، عاد إلى ذكر دلائل التوحيد، من قبل أنه قطب الرحى في الدين الإسلامي، وكل دين سماوي، ويليه إثبات النبوات والبعث والجزاء، فبين أنه أنزل المطر من السماء لتحيا به الأرض بعد موتها، وثنّى بإخراج اللبن من الأنعام، وثلث باتخاذ الخمر والخل والدّبس من الأعناب والنخيل، وربع بإخراج العسل من النحل وفيه شفاء للناس، وقد بين أثناء ذلك، كيف ألهم النحل بناء البيوت، والبحث عن أرزاقها من كل فجّ.
وبعد أن ذكر نزول الماء من السحاب، ذكر خروج اللبن من الضرع، وفيه أكبر الأدلة على قدرة القادر فقال : وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما قي بطونه من بين فرث ودم خالصا سائغا للشاربين ، أي : وإن لكم أيها الناس لعظة في الأنعام دالة على باهر قدرتنا، وبديع صنعنا، وواسع فضلنا، ورحمتنا بعبادنا، فإننا نسقيكم مما في بطونها من اللبن الخالص من شائبات المواد الغريبة، السهل التناول، اللذيذ الطعم، وهو متولد من بين فرث ودم.
فإن الله جلت قدرته جعل الحيوان يتغذى بما يأكل من نبات ولحوم ونحوهما، حتى إذا هضم المأكول، تحول بإذنه تعالى إلى عصارة نافعة للجسم، وفضلات تطرد إلى الخارج، ومن هذه العصارة يتكون الدم الذي يسري في عروق الجسم لحفظ الحياة، وبعد هذا الدم يذهب إلى الغدد التي في الضرع فتحولها إلى لبن، فكأن الصانع الحكيم جعلها مصنعا ومعملا لتحويل الدم إلى لبن، وهكذا في الجسم غدد أخرى، كالغدد الأنفية للمخاط، والغدد الدمعية للعين، والغدد المنوية التي تحول الدم إلى مادة التلقيح.
تفسير المراغي
المراغي