قوله - تعالى- : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً ، الآية لمَّا شرح الدَّلائل الدالة على صحَّة التَّوحيد، وأتبعها بذكر أقسام النِّعم العظيمة، أتبعها بالردِّ على عبدة الأصنام ؛ قال : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السماوات ، يعني : المطر والأرض، ويعني النَّبات والثِّمار.
قوله تعالى : مِّنَ السماوات فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه متعلق ب " يَمْلِكُ "، وذلك على الإعرابين الأولين في نصب " شَيْئاً ".
الثاني : أنه متعلق بمحذوف، على أنه صفة ل " رِزْقاً ".
الثالث : أن يتعلق بنفس " رِزْقاً " إن جعلناه مصدراً.
وقال ابن عطية١ - بعد أن ذكر إعمال المصدر منوناً- : والمصدر يعمل مضافاً باتِّفاق ؛ لأنه في تقدير الانفصال، ولا يعمل إذا دخله الألف واللاَّم ؛ لأنه قد توغَّل في حال الأسماء وبعد عن الفعليَّة، وتقدير الانفصال في الإضافة حسن عمله ؛ وقد جاء عاملاً مع الألف واللام في قول الشاعر :[ المتقارب ]
ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْدَاءَهُ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ٢
وقوله :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ***. . . . . . . . . . فَلمْ أنْكُلْ عَنِ الضَّرْبِ مِسْمَعَا٣
قال أبو حيَّان : أما قوله :" باتِّفاقٍ "، إن عنى به من البصريين، فصحيحٌ، وإن عنى به من النَّحويين، فليس بصحيح ؛ إذْ قد ذهب بعضهم إلى أنَّه وإن أضيف لا يعمل، فإن وجد بعده منصوب أو مرفوع قدَّر له عاملاً، وأما قوله :" في تقدير الانفصال "، فليس كذلك، إلا أن تكون إضافته غير محضة ؛ كما قال به ابن الطراوة وابن برهان، ومذهبهما فاسد ؛ لأن هذا المصدر قد نعت وأكد بالمعرفة، وقوله :" لا يعمل. . . إلى آخره " ناقضه بقوله :" وقد جاء عاملاً. . . إلى آخره ".
قال شهاب الدِّين٤ : فغاية ما في هذا أنَّه نحا إلى أقوال قال بها غيره، وأمَّا المناقضة، فليست صحيحة ؛ لأنه عنى أولاً : أنَّه لا يعمل في السَّعة، وثانياً : أنه قد جاء عاملاً في الضرورة، ولذلك قيَّده فقال :" في قول الشَّاعر ".
قوله :" شَيْئاً "، فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منصوبٌ على المصدر، أي : لا يملك لهم ملكاً، أي : شيئاً من الملك.
والثاني : أنه بدلٌ من " رِزْقاً "، أي : لا يملك لهم رزقاً شيئاً، وهذا غير مقيَّد ؛ إذ من المعلوم أن الرزق شيء من الأشياء، ويؤيِّد ذلك أن البدل يأتي لأحد معنيين : البيان أو التَّأكيد، وهذا ليس فيه بيان ؛ لأنه أعمٌّ، ولا تأكيد.
الثالث : أنه منصوب ب " رِزْقاً "، على أنه اسمُ مصدر، واسم المصدر يعمل عمل المصدر، على خلاف في ذلك.
ونقل مكِّي : أن اسم المصدر لا يعمل عند البصريين إلا في شعر، وقد اختلف النقلة عن البصريِّين ؛ فمنهم من نقل المنع، ومنهم من نقل الجواز.
وقد ذكر الفارسي انتصابه ب " رِزْقاً " كما تقدَّم.
ورد عليه ابن الطراوة : بأن الرِّزق اسم المرزوق، كالرِّعي، والطحن. وردَّ على ابن الطراوة ؛ بأنّ الرزق بالكسر أيضاً مصدر، وقد سمع فيه ذلك، وظاهر هذا أنه مصدر بنفسه لا اسم مصدر.
قوله تعالى : وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ، يجوز في الجملة وجهان :
العطف على صلة " مَا "، والإخبار عنهم بنفي الاستطاعة على سبيل الاستئناف، ويكون قد جمع الضمير العائد على " مَا " باعتبار معناها ؛ إذ المراد بذلك آلهتهم.
ويجوز أن يكون الضمير عائداً على العابدين.
فإن قيل : قال - تعالى - : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ ، فعبَّر عن الأصنام بصيغة " ما "، وهي لغير العاقل، ثم جمع بالواو والنون فقال :" ولا يَسْتَطِيعُون "، وهو مختص بأولي العلم. فالجواب : أنه عبَّر عنها بلفظ " مَا " اعتباراً باعتقادهم أنَّها آلهة، والفائدة في قوله :" ولا يَسْتَطِيعُونَ " : أنَّ من لا يملك شيئاً قد يوصف باستطاعته أن يمتلكه بطريقٍ من الطرق. فبيَّن - تعالى - أنَّ هذه الأصنام لا تملك، وليس لها استطاعة تحصيل الملك.
٢ تقدم..
٣ تمام البيت:
لقد علمت أولى المغيرة أنني لحقت...............................
نسب إلى مالك بن زغبة الباهلي أو للمرار الأسدي. ينظر: ديوانه ص ٤٦٤، شرح أبيات سيبويه ١/٦٠، الكتاب ١/١٩٣، شرح شواهد الإيضاح ص ١٣٦، شرخ المفصل ٦/٦٤، المقاصد النحوية ٣/٤٠، ٥٠١، خزانة الأدب ٨/١٢٨، الدرر ٥/٢٥٥، شرح الأشموني ١/٢٠٢، شرح ابن عقيل ص ٤١٢، المقتضب ١/١٤، همع الهوامع ٢/٩٣، الجمل ١٣٦، العيني ٣/٤٠، الدر اللقيط ٥/٥١٦. البحر المحيط ٥/٥٠٠، الدر المصون ٤/٣٤٨..
٤ ينظر: الدر المصون ٤/٣٤٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود