ثم عاب على من وقف مع غير الله، فقال : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ، فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ . قلت : رِزْقًا : مفعول بيملك، فيحتمل أن يكون مصدرًا، أو اسمًا لما يرزق، فإن كان مصدرًا، فشيئًا : مفعول به ؛ لأن المصدر ينصب المفعول، وإن كان اسمًا، فشيئًا : بدل منه. وجمع الضمير في يستطيعون ، وأفرده في يمْلك ؛ لأن ما مفردة ؛ لفظًا، واقعة على الآلهة، فراعى أولاً : اللفظ، وفي الثاني : المعنى.
يقول الحقّ جلّ جلاله : ويعبدون من دون الله ، أي : غيره. ما لا يَملك لهم رزقًا من السماوات ؛ بالمطر، والأرض ؛ بالنبات، فلا يرزقونهم من ذلك شيئًا ولا يستطيعون : لا يقدرون على شيء من ذلك ؛ لعجزهم، وهم الأصنام.
قال سهل رضي الله عنه :" ما من قلب ولا نفس إلا والله مطلع عليه في ساعات الليل والنهار، فأيما نفس أو قلب رأى فيه حاجة إلى غَيْرِهِ، سلط عليه إبليس ". وقال الأستاذ أبو علي الدقاق رضي الله عنه : من علامة المعرفة : ألا تسأل حوائجك، قلَّتْ أو كثُرت، إلا من الله سبحانه، مثل موسى عليه السلام ؛ اشتاق إلى الرؤية، فقال : رب أرني أنظر إليك ، واحتاج مرة إلى رغيف، فقال : رب إني لما أنزلتَ إليّ من خير فقير . هـ. وقال في التنوير : اعلم، رحمك الله، أن رفع الهمة عن المخلوقين، وعدم التعرض لهم، أزين لهم من الحليّ للعروس، وهم أحوج إليه من الماء لحياة النفوس... الخ كلامه رضي الله عنه. حَـرَامٌ عَلَـى مَـنْ وَحَّـد الله رَبَّـهُ وأَفْرَدَهُ أَن يجتدي أَحـَـدًا رِفْـدا فَيَا صَاحِبِي قِفْ عَلَى الحَقِّ وَقْفةً أمُوتُ بِها وَجْدًا وأحْيَا بِها وجَدا وقـُلْ لـمـلـوكِ الأرْضِ تَجْهـدَ فَذَا المُلْكُ مُلكٌ لا يُبَاعُ ولا يُهْدَى
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي