ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

إرادة الدنيا وإرادة الآخرة
" من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا.
ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيا وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ".
( سورة الإسراء الآيتان ٢٠، ١٩ )
الشرح والمعنى :
أنواع الناس في الدنيا
كل الناس في هذه الحياة حارث وهمام، عامل ومريد، فسفيه ورشيد، وشقي وسعيد :
مريد الدنيا وجزاؤه :
منهم من يريد بأعماله هذه الدار العاجلة والحياة الدنيا، عليها قصر همه، وعلى حظوظها عقد ضميره. وجعلها وجهة قصده، ونصبها غاية سعيه، لا يرجوا ورائها ثوابا، ولا يخاف عقابا، فهو مقبل عليها بقلبه وقالبه، معرض عن غيرها بكليته، فلا يجيب داعي الله بترغيب و لا ترهيب، ولا يتقيد في سلوكه بشرائع العدل والإحسان.
تفسير بن باديس – م
فمن كانت هذه إرادته، ولهذا عمله، عجل الله له في الدنيا ما مضى في مشيئته تعالى أن يعجله له، إن كان ممن أراد التعجيل لهم، بحكم إبدال الجار والمجرور في قوله :" لمن نريد "، من الجار والمجرور في قوله :" عجلنا له ". فالتعجيل منه تعالى لم يريد، لا لكل مريد.
والشيء المعجل – في قدره وجنسه ومدته- على ما يشاء الرب المعطي، لا على ما يشاء العبد المريد.
فكم من مريد الدنيا من يقصد الشيء فلا ينال إلا بعضه، فيضيع عليه شطر عمله، فلا في هذه الدار، ولا في تلك الدار.
وكم منهم من سعى واجتهد وانتهى بالخيبة والحرمان، فعاد- بعد النصب- ولا ثمرة حصلها عاجلا، ولا ثوابا ادخره آجلا، وذلك هو الخسران المبين١.
ثم إذا قدم على الله في الآخرة جعل له وحضر له جهنم دار العذاب، واضطره إلى دخولها. فيصليها مذموما : مذكورا بقبح فعله وسوء صنيعه في قلة شكره لربه، وعدم استعماله لما كان أنعم عليه به في طاعته، وعدم نظره لعاقبة أمره. مدحورا : مبعدا في أقصى النار مطرودا من الرحمة.
حرم نفسه من استثمار رحمة الله في الدنيا بالشكر عليها، فكان عدلا أن يحرم منها في الآخرة.
ونظير هذه الآية آية :" ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ". عمل للدنيا فنال نصيبه منها، ولم يعمل للآخرة فلم يكن له نصيب فيها٢.
و التقييد بمن في قوله تعالى :" منها " على أن ما يناله – سواء أكان كل ما أراد أو بعضه – ما هو إلا بعض من الدنيا.
و إذا كانت الدنيا كلها شيئا زهيدا، بقلتها وفنائها ونغصها بالنسبة لأقل شيء من نعيم الآخرة – فما بالك بما هو بعض منها ؛ فلقد خاب وخسر من استبدل بنعيم الآخرة هذا القليل الخسيس المنغص الزهيد !
و نظيرها أيضا آية :" من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " ٣.
و توفيتهم أعمالهم، إنالتهم ثمراتها مكملة في الدنيا، وهم فيها لا يبخسون : لا ينقصون من جزائهم عليها بتحصيل المسببات التي توسلوا إليها بأسبابها. ثم في الآخرة تحبط تلك الأعمال فلا يكون عليها من جزاء و لا لها من ثمرة، لأنها كانت أعمالا باطلة لا ثبات لها.
عمل لدنيا دار الزوال فزالت بزوالها، و بقي على عمالها إثم عدم شكرهم لربهم فدخلوا به النار، وتلك عاقبة الظالمين.
فرق
غير أن هاتين الآيتين مطلقتان في الشيء المعطى والشخص المعطى له.
و آية " الإسراء " مقيدة بمشيئة الله تعالى و إرادته فيهما، والمطلق محمول على المقيد في البيان والأحكام.
الأسباب وسائل المسببات ولو اختلفت الاعتقادات
و قد أفادت هذه الآيات كلها، أن الأسباب الكونية التي وضعها الله في هذه الحياة وسائل لمسبباتها، موصلة – بإذن الله تعالى- من تمسك بها إلى ما جعلت وسيلة إليه، بمقتضى أمر الله وتقديره وسنته في نظام هذه الحياة
والكون، ولو كان ذلك المتمسك بها لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا يصدق المرسلين.
ومن مقتضى هذا : أن من أهمل تلك الأسباب الكونية التقديرية الإلهية، ولم يأخذ بها لم ينل مسبباتها و لو كان من المؤمنين، وهذا معلوم ومشاهد من تاريخ البشر في ماضيهم وحاضرهم٤.
نعم لا يضيع على المؤمن أجر إيمانه، ولكن جزاءه عليه في غير هاته الدار، كما أن الآخر لم يضع عليه أخذه بالأسباب، فنال جزاءه في دار الأسباب وليس له في الآخرة إلا النار.
أقسام العباد :
فالعباد- إذن- على أربعة أقسام :
١- مؤمن آخذ بالأسباب الدنيوية، فهذا سعيد في الدنيا والآخرة.
٢- ودهري٥ تارك لها، فهذا شقي فيهما.
٣- و مؤمن تارك للأسباب، فهذا شقي في الدنيا وينجو- بعد المؤاخذة على الترك – في الآخرة.
٤- و دهري آخر آخذ بالأسباب الدنيوية، فهذا سعيد في الدنيا ويكون في الآخرة من الهالكين.
فلا يفتنن المسلمون بعد علم هذا ما يرونه من حالهم وحال من لا يدين دينهم. فإنه لم يكن تأخرهم لإيمانهم، بل بترك الأخذ بالأسباب الذي هو سبب تأخرنا من ضعف إيمانهم. ولم يتقدم غيرهم بعد إيمانهم، بل بأخذهم بأسباب التقدم في الحياة.
وقد علموا أنهم مضت عليهم أحقاب وهم من أهل القسم الأول بإيمانهم و أعمالهم. وما صاروا من أهل القسم الثالث إلا لما ضعف إيمانهم وساءت أعمالهم وكثر إهمالهم ؛ فلا لوم – إذن – إلا عليهم في كل ما يصيبهم، وربك يقضي بالحق وهو الفتاح العليم٦.

١ إذا خسر الدنيا والآخرة.
.

٢ الآية :" من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها، وما له في الآخرة من نصيب". سورة الشورى، الآية ٢٠، ولاحظ "نزد له"، و "نؤته منها".
.

٣ سورة هود. الآيتان ١٥. ١٦.
.

٤ و حاضر المؤمنين وماضيهم خير شاهد على ذلك.
.

٥ الدهرى هو من لا يؤمن بالله، و إنما ينسب الأشياء للطبيعة والدهر.
.

٦ يريد الإمام أن يقول : بأن العلم والرقي فيه خط بشري، والدين خط إلهي – فمن سار في الخط البشري و أخذ بالأسباب الكونية وصل بإذن الله إلى الرقي والتقدم.
و إذن ليس تأخر المسلمين بسبب إسلامهم حاشا وكلا، و إنما هو لترك مواصلة العمل على الخط البشري العلمي و الإسلام يبارك العلم ويناصره ويدعو إلى رقيه والنهوض به. أيا كان نوعه ما دام لخير البشرية وإسعادها.
.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير