أصول الهداية في ثمان عشرة آية
من قوله تعالى :
" لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ".
إلى قوله تعالى :
" لا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ".
( سورة الإسراء – الآيات من ٢٣ حتى ٤٠ ).
تمهيد :
من إعجاز القرآن :
قد أوتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا ؛ فالآية من كتاب الله، و الأثر من حديث رسول الله، تجد فيه من أصول الهداية، ودقيق العلم ولطيف الإشارة في لفظ قليل، وكلام بين – ما فيه الكفاية لمن أوتي العلم ومنح التوفيق.
فهذه ثمان عشرة آية من سور الإسراء قد أتت في إيجاز ووضوح على أصول الهداية الإسلامية كلها. وأحاطت بأسباب السعادة في الدارين من جميع وجوههما.
وهي – فوق بلاغتها التي عرف العرب إعجازها بسليقتهم و أدركه علماء البيان بعلمهم ومرانهم – قد جاءت معجزة للخلق من أي جنس كانوا، أو بأي لغة نطقوا، بما جمعت من أصول الهداية التي تدركها الفطر وتسلمها العقول.
وإنك لست واجدا مثلها في مقدارها و أضعاف مقدارها من كلام الخلق بجمع ما جمعت من هدى وبيان.
و هذا أحد وجوه إعجاز القرآن العامة التي تقوم بها حجته على الناس أجمعين.
موقع هذه الآيات موقع البيان والتفصيل للسعي المشكور المتقدم في قوله تعالى :" فأولئك كان سعيهم مشكورا " ووقوعها بلصق قوله تعالى :" وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ". إشارة إلى أن التفاضل في تلك الدرجات مرتبط بالتفاضل في السلوك والسعي المشكور، المستفاد من هذه الآيات.
التوحيد العلمي والعملي :
" لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ".
التوحيد العلمي :
هذا هو١ أساس الدين كله، وهو الأصل الذي لا تكون النجاة ولا تقبل الأعمال إلا به. وما أرسل الله رسولا إلا داعيا إليه، ومذكرا بحججه.
وقد كانت أفضل كلمة قالها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي كلمة " لا إله إلا الله٢ ". وهي كلمته الصريحة فيه.
و لا تكاد سورة من سور القرآن تخلوا من ذكره والأمر به والنهي عن ضده.
و أنت ترى أن هذه الآيات الجامعة قد جعلت بين آيتين صريحتين فيه.
المفردات :
( لا تجعل ) الجعل يكون عمليا كجعلت الماء مع اللبن في إناء واحد.
و يكون اعتقاديا كجعلت مع صديقي صديقا آخر. والجعل في الآية من هذا الثاني.
( مع الله ) المعية هنا أيضا هي معية اعتقادية.
( إلها آخر ) الإله هو المعبود والعبادة نهاية الذل والخضوع مع الشعور بالضعف والافتقار و إظهار الانقياد والامتثال ودوام التضرع والسؤال.
( فتقعد ) القعود ضد القيام، والعرب تكنى بالقيام عن الجد في الأمر والعمل فيه سواء أكان العمل قائما أو جالسا، فتقول : قام بحاجتي إذا جد وعمل فيها، ولو كان لم يمش فيها خطوة و إنما قضاها بكلمة قالها، أو خطاب أرسله. و تكني كذلك بالقعود عن الترك للعمل وانحلال العزيمة وبطلان الهمة سواء أكان الشخص واقفا أو جالسا، فتقول : قد زيد عن نصرة قومه إذا لم يعمل في ذلك عملا، ولم تكن له فيه همة ولا عزيمة، و لو كان قائما يمشي على رجليه. فالقعود في الآية بمعنى المكث كناية عن بطلان العمل وخيبة السعي وخور القلب وفراغ اليد من كل خير.
( مذموما ) مذكورا بالقبيح موصوفا به.
( مخذولا ) متروكا بلا نصير مع حاجتك إليه.
فنهى الله الخلق كلهم عن أن يعتقدوا معه شريكا في ألوهية، فيعبدوه معه، ليعتقدوا أنه الإله وحده فيعبدوه وحده.
و بين لهم أنهم إن اعتقدوا معه شريكا وعبدوه معه فإن عبادتهم تكون باطلة، وعملهم يكون مردودا عليهم، وأنهم يكونون مذمومين من خالقهم، ومن كل عقل سليم من الخلق، يكونون مخذولين لا ناصر لهم : فأما الله فإنه يتركهم وما عبدوا معه، وأما معبوداتهم فإنها لا تنفعهم لأنها عاجزة مملوكة مثلهم فما لهم – قطعا من نصير.
الخطاب وسره
والخطاب و إن كان موجها للنبي صلى الله عليه و آله وسلم فإنه عام للمكلفين.
و سر مثل هذا الخطاب تنبيه الخلق إلى أن شرائع الله وتكاليفه عامة للرسول والمرسل إليهم، وإن كان هو٣قد عصم من الخالفة فلا يبقى بعد ذلك وجه لدعوى مدع : خروج فرد من أفراد الأمة المكلفين عن دائرة التكليف٤.
.
٢ لقوله (ص) :"أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله ".
.
٣ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
.
٤ كما يقول بعضهم – جهلا – إن فلانا خرج عن دائرة التكليف، لأنه متصل، وهذا زعم غريب : فإن الإسلام لم يرخص لأحد – مثلا- في ترك الصلاة، حتى ولو كان لا يقوى على الحركة.. ونحن نوافق هؤلاء على ترك التكاليف إذا كانوا مجانين.
.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي