ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

لاَ تَجْعَل مَعَ الله إلها آخَرَ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، تهييجاً وإلهاباً، أو لكل متأهل له صالح لتوجيهه إليه، وقيل : هو على إضمار القول، والتقدير : قل لكل مكلف : لا تجعل، وانتصاب تقعد على جواب النهي، والتقدير : لا يكون منك جعل فقعود ؛ ومعنى تقعد : تصير، من قولهم : شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها خربة، وليس المراد حقيقة القعود المقابل للقيام ؛ وقيل : هو كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات، فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام، والعجز عنه يلزمه أن يكون قاعداً عن الطلب ؛ وقيل : إن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً مفكراً على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة، وانتصاب مَذْمُومًا مَخْذُولاً على خبرية تقعد أو على الحال : أي فتصير جامعاً بين الأمرين : الذم لك من الله ومن ملائكته، ومن صالحي عباده، والخذلان لك منه سبحانه، أو حال كونك جامعاً بين الأمرين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله : مَن كَانَ يُرِيدُ العاجلة قال : من كان يريد بعمله الدنيا، عَجلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُرِيدُ ذاك به. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية عن الحسن في قوله : كُلاًّ نُمِدُّ الآية، قال : كل يرزق الله في الدنيا البرّ والفاجر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال : يرزق الله من أراد الدنيا، ويرزق من أراد الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : مَحْظُورًا ممنوعاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد مثله. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة، فارتفع بها إلاّ وصفه الله في الآخرة درجة أكبر منها وأطول، ثم قرأ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ درجات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً )، وهو من رواية زاذان عن سلمان. وثبت في الصحيحين :( أن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما يرون الكوكب الغابر في أفق السماء ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : مَذْمُومًا يقول : ملوماً. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قرأ :( ووصى ربك )، مكان وقضى ، وقال : التزقت الواو والصاد، وأنتم تقرأونها :( وقضى ربك ). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عنه مثله. وأخرج أبو عبيد، وابن منيع، وابن المنذر، وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عنه أيضاً مثله، وزاد ( ولو نزلت على القضاء ما أشرك به أحد ). وأقول : إنما يلزم هذا لو كان القضاء بمعنى الفراغ من الأمر، وهو وإن كان أحد معاني مطلق القضاء، كما في قوله : قُضِي الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [ يوسف : ٤١ ]. وقوله : فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم [ البقرة : ٢٠٠ ]. فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة [ النساء : ١٠٣ ]. ولكنه ها هنا بمعنى الأمر، وهو أحد معاني القضاء، والأمر لا يستلزم ذلك، فإنه سبحانه قد أمر عباده بجميع ما أوجبه، ومن جملة ذلك إفراده بالعبادة وتوحيده، وذلك لا يستلزم أن لا يقع الشرك من المشركين، ومن معاني مطلق القضاء معانٍ أخر غير هذين المعنيين، كالقضاء بمعنى : الخلق، ومنه فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سماوات [ فصلت : ١٢ ]. وبمعنى الإرادة كقوله : إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [ آل عمران : ٤٧ ]. وبمعنى العهد كقوله : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الأمر [ القصص : ٤٤ ]. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : وقضى رَبُّكَ قال : أمر. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : عهد ربك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله : وبالوالدين إحسانا يقول : برّاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ لما تميط عنهما من الأذى : الخلاء، والبول كما كانا لا يقولانه فيما كانا يميطان عنك من الخلاء والبول. وأخرج الديلمي عن الحسين بن عليّ مرفوعاً :( لو علم الله شيئاً من العقوق أدنى من أف لحرّمه ). وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله : وَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا قال : إذا دعواك فقل : لبيكما وسعديكما. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية، قال : قولاً ليناً سهلاً. وأخرج البخاري في الأدب، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عروة في قوله : واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل قال : يلين لهما حتى لا يمتنع من شيء أحبّاه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية، قال : اخضع لوالديك كما يخضع العبد للسيد الفظ الغليظ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : وَقُل رَّبّ ارحمهما ثم أنزل الله بعد هذا مَا كَانَ لِلنَّبِيّ والذين آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قربى [ التوبة : ١١٣ ]. وأخرج البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر من طرق عنه نحوه، وقد ورد في برّ الوالدين أحاديث كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وهي معروفة في كتب الحديث.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية