ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

العدل في الإنفاق :
" و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ".
لما أمرنا الله تعالى بالإنفاق، علمنا كيف ننفق، وبين لنا أدب الإنفاق في هذه الكلمات.
تمثيل البخيل
إذا شبهت حالة وهيئة البخيل الذي الذي لا يكاد يرشح بشيء، ولا يقدر لبخله على إخراج شيء من ماله.. بحاله و هيئة الذي جعل يده مغلولة مجموعة بغل١ إلى عنقه : فذاك لا تتوجه نفسه للبذل، و لا تمتد يده للعطاء، وهذا لا تمتد يده للتصرف. و نقل الكلام المركب الدال على المشبه به، فاستعمل في المشبه على طريق الاستعارة التمثيلية لتقبيح حالة البخيل.
والمعنى :
لا تبخل بالنفقة في حقوق الله، و لا تمسك إمساك المغلولة يده الذي لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء.
تمثيل هيئة المسرف
و شبهت حالة المسرف الذي لا يبقى على شيء، بحالة الشخص الباسط لكفيه فلا يمسكان عليه من شيء : فذاك يملك المال، ولكنه بسرفه لا يبقى له منه شيء، وهذا قد يمر الشيء على يده، ولكنه لا يبقى فيها شيء. ونقل المركب الدال على المشبه به إلى المشبه، استعارة تمثيلية أيضا.
المعنى :
و لا تخرج جميع ما تملك مع حاجتك إليه، ولا تنفق جميع مالك.
وبهذا يعلم أن " كل البسط " المنهي عنه هنا غير التبذير المنهي عنه في الآية المتقدمة : ذاك توزيع المال و تبديده في غير وجوهه، وهذا التجاوز في الإنفاق المطلوب والتوسع في الإنفاق المأذون حتى يبقى بلا شيء.
نهى تعالى بهذه الآية عن طرفي الإفراط و التفريط، وهما الإسراف.
فالمأمور به : هو العدل الوسط، فعلى ذى المال أن يأخذ في إنفاقه بهذا الميزان، ليكون إنفاقه محمودا : فلا يمسك عما يستطيع، و لا يتجاوزه إلى ما لا يستطيع، أو إلى ما يوقعه في عسر وضرر.
وكان النهي عن البسط لأنه هو الذي فيه إسراف.
و أما أصل البسط الذي هو توسعه بحكمة، فغير منهي عنه لأنه لا ضرر فيه.
وحذر تعالى من سوء عاقبة الإسراف و التقتير بقوله :( فتقعد ملوما محسورا ). فالبخيل الممسك ملوم من الله تعالى.
ومن العباد إذا من لم تلمه نفسه الخبيثة لموت قلبه. على أنه سيلوم هو نفسه بعد الموت. والمسرف ملوم من الجميع، و من نفسه بعد ضياع ما في يده.
( والمحسور )، المتعب المضني، الذي انكشفت عنه القوة، ولم تبق به قدرة على شيء، تقول العرب : حسرت البعير أي أنضيته و أتعبته بالسير، حتى لم تبق به قدرة عليه.
والجمل لا يقطع الطريق و يصل إلى الغاية إلا إذا حافظ صاحبه على ما فيه من قوة ؛ فسار به سيرا وسطا. أما إذا أجهده واستنزف قوته، فإنه يسقط كليلا محسورا : فلا قطع طريقه، ولا وصل منزله، ولا أبقى جمله٢.
فكذلك الإنسان في طريق هذه الحياة محتاج إلى قوة المال، فإذا أنفقه بحكمة نفع به وانتفع، و بلغ غاية حياته هادئا رضيا، و إذا بسط يده فيه كل البسط أتى عليه فانقطع النفع و الانتفاع، ولم يبلغ غاية حياته إلا بأتعاب و مشاق.
وعلم من هذا أن قوله " ملوما " يرجع للمقتر و المسرف. وقوله :" محسورا " يرجع للمسرف فقط. ولكن لما كان المحسور هو الذي ذهبت قوته فلا قدرة له على شيء، فقد نقول : إن البخيل أيضا مبغوض من الناس مخذول منهم، فلا يجد في ملماته معينا، و لا في نوائبه معزيا، فهو أيضا ضعيف الجانب لا قوة له. فالمسرف ضيع المال، والبخيل ضيع الإخوان، فكلاهما مكسور الظهر، عديم الظهير.
***
المخاطب بالاعتدال :
و المخاطب إما مفرد غير معين ؛ فيشمل جميع المكلفين غير النبي – صلى الله عليه و آله وسلم – لأنه كان يأخذ لعياله قوت سنتهم حين أفاء الله عليه ( النضير، وفدك، وخيبر٣ )، ثم يصرف ما بقي في الحاجات حتى يأتي أثناء الحلول، و ليس عنده شيء، ولا كان ملوما و لا محسورا، بل كان على ذلك صبارا شكورا مشكورا.
و إما هو٤ النبي – صلى الله عليه و آله وسلم – و المراد أمته : و عادة العرب أن تخاطب سيد القوم، تريد القوم، وتعبر بالمتبوع عن أتباعه. ونظير هذه الآية في ذلك :" فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك "، " و لئن أشركت ليحبطن عملك ".
فالنبي – صلى الله عليه و آله وسلم – غير داخل في هذا الخطاب بإجماع.
و قد تقدم قوله تعالى :" إما يبلغن عندك الكبر " يعني الوالدين : و كان والداه عليهما الرحمة قد توفيا، فلم يدخلا في الخطاب قطعا فكذلك هنا.
***
المخاطب في رأي ابن العربي :
قال الإمام ابن العربي في تعليل عدم دخوله – صلى الله عليه و آله وسلم - في هذا الخطاب.
لما هو عليه من الخلال، والجلال، وشرف المنزلة، وقوة النفس على الوظائف، وعظيم العزم على المقاصد.
فأما سائر الناس : فالخطاب عليهم وارد، و الأمر والنهي – كما تقدم – إليهم متوجه.
إلا أفرادا أخرجوا من ذلك بكمال صفاتهم، وعظيم أنفسهم، منهم أبو بكر الصديق ؛ خرج عن جميع ما يملك للنبي صلى الله عليه و آله وسلم فقبله منه الله سبحانه وتعالى، وأشارعلى أبي لبابة، وكعب بالثلث من جميع مالهم ؛ لنقصهم عن هذه المرتبة في أحوالهم.
و أعيان الصحابة كانوا على هذا، فأجراهم النبي – صلى الله عليه و آله وسلم – وائتمروا بأمر الله، واصطبروا على بلائه، ولم تتعلق قلوبهم بدنيا، ولا ارتبطت أبدانهم بمال منها، وذلك لثقتهم بموعود الله في الرزق، وعزوف أنفسهم عن التعلق بغضارة٥ الدنيا.
و قد كان من أشياخي من ارتقى إلى هذه المنزلة : فما ادخر قط شيئا لغد و لا نظر بمؤخر عينه إلى أحد، ولا ربط على الدنيا بيد.
أقسام الناس في الحظوظ
فههنا ثلاثة أصناف من الخلق : العم الأكثر، وهم أهل الحظوظ البشرية.
و الأقل الأندر، وهم الذين زالت منهم تلك الحظوظ.
و قد أفادتنا السنة العلمية المتقدمة في كلام الإمام ابن العربي :
إن لأهل الصنف الثاني أن يخرجوا عن كثير من أمالهم على مقدار ما بقي من حظوظهم.
و أن لأهل الصنف الثالث أن يخرجوا منها كلها.
و أما أهل الصنف الأول فلا يخرجون عن الوسط الذي بينته الآية.
عموم الآية
و قد جاءت الآية الكريمة على مقتضى حال الأعم الأكثر ؛ لأنها قاعدة عامة في سياسة الإنفاق، وشأن القواعد العامة أن يعتبر فيها جانب الأعم الغالب، ولا يلتفت للنادر.
وقد وكل للنبي – صلى الله عليه و آله وسلم – بيانه، فجاء مبينا فيما تقدم من سننه.
وتقررت القاعدة و استناؤها أمن الكتاب والسنة، و هما مصدر التشريع.

١ الغل هو القيد.
.

٢ إن المنبت لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى.
.

٣ غزوات انتصر فيها النبي صلى الله عليه و آله وسلم، ووسع الله على المسلمين بالجزية أو الخراج..
٤ أي المخاطب بهذا الخطاب.
.

٥ نضارتها و زخرفتها و زينتها..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير