وقوله تعالى : ذرية نصب على الاختصاص في قراءة أبي عمرو وعلى النداء عند الباقين أي : يا ذرّية من حملنا أي : في السفينة بعظمتنا على ظهر ذلك الماء الذي طبق ما تحت أديم السماء ونبه تعالى على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله تعالى : مع نوح ففي ذلك تذكير بإنعام الله تعالى عليهم وإنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع نوح في السفينة. قال قتادة : الناس كلهم من ذرّية نوح لأنه كان معه في السفينة ثلاث بنين سام وحام ويافث، فالناس كلهم من ذرّية أولئك. قال البقاعي : لأنّ الصحيح أنّ من كان معه من غير ذرّيته ماتوا ولم يعقبوا ولم يقل ذرّية نوح ليعلم أنهم عقب أولاده المؤمنين لتكون تلك منة أخرى.
ثم إنه تعالى أثنى على نوح حثاً على الاقتداء به في التوحيد كما اقتدى به آباؤهم في ذلك بقوله تعالى : إنه كان عبداً شكوراً أي : مبالغاً في الشكر الذي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه لما خلق له. روي أنه عليه الصلاة السلام كان إذا أكل قال :«الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني » وفي رواية «أنه يسمي إذا أكل ويحمد إذا فرغ، وإذا شرب قال : الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال : الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني. وإذا احتذى قال : الحمد لله الذي حداني ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال : الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه ». وفي رواية أنه كان يقول :«الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى منفعته في جسدي وأخرج عني أذاه ». وفي رواية : أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من مرّ به فإن وجده محتاجاً آثره به.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني