ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

ذرية من حملنا مع نوح
في السفينة فأنجيناهم، فيه تذكير لأنعام الله عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع نوح في السفينة، ذرية منصوب على الاختصاص أو النداء إن قرأ لا تتخذوا بالتاء الفوقانية للخطاب أو على أنه أحد مفعولي لا تتخذوا ومن دوني حال من وكيلا فيكون كقوله تعالى : ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ١ إنه يعني نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا أي كثير الشكر أخرج ابن مردويه عن أبي فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( كان نوح لا يعمل شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا قال بسم الله والحمد لله فسماه الله عبدا شكورا ) وأخرج ابن جرير والطبراني عن سعد بن مسعود الثقفي الصحابي قال إنما سمي نوح عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل أو شرب أو لبس ثوبا حمد الله وفيه حث على الشكر يعني أنتم ذرية من آمن به وحمل معه فكونوا مثله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قال البغوي قال محمد بن إسحاق كانت بنو إسرائيل فيهم الأحداث والذنوب وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم محسنا إليهم، وكان أول ما نزل بهم بسبب ذنوبهم كما أخبر الله على لسان موسى عليه السلام أن ملكا منهم كان يدعى صديقه وكان الله تعالى إذا ملك الملك عليهم بعث معه نبيا يسدده ويرشده لا ينزل عليهم الكتب إنما يؤمرون بإتباع التوراة والأحكام التي فيها، فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه شيعا بن أمضيا وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، وشيعا هو الذي بشر بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام فقال أبشري أورى تعلم الآن يأتيك راكب الحمار ومن بعده صاحب البعير، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا فلما انقضى ملكه عظمت فيهم الأحداث وشعيا معه بعث الله سنحاريب ملك بابل معه ستمائة ألف راية فأقبل سائرا حتى نزل حول بيت المقدس، والملك مريض في ساقه قرحة، فجاء النبي شيعا فقال له يا ملك بني إسرائيل إن سنحاريب ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده بستمائة ألف راية وقد هابهم الناس وفرقوا، فكبر ذلك على الملك فقال : يا بني الله هل أتاك وحي الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده ؟ فقال : لم يأتيني وحي فبينما هم على ذلك أوحي الله إلى شعيا النبي عليه السلام إن أيت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي وصية ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته، فأتى شعيا ملك بني إسرائيل صديقة فقال : إن ربك قد أوحي إلي أن آمرك أن توصي وصيتك وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك فإنك ميت، فلما قال ذلك شعيا لصديقة أقبل على قبلته فصلى ودعا وبكى فقال وهو يتضرع ويبكي ويتضرع إلى الله بقلب مخلص : اللهم رب الأرباب وإله الآلهة يا قدوس المتقدس يا رحمان يا رؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم إذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله منك وأنت أعلم به مني سري وعلانيتي لك، وإن الرحمان استجاب دعاءه وكان عبدا صالحا، فأوحى الله إلى شعيا أن تخبر صديقة أن ربه قد استجاب له ورحمه وأخر أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سخاريب، فأتاه شعيا فأخبره بذلك، فلما قال له ذلك ذهب عنه الروع وانقطع عنه الحزن وخر ساجدا وقال : يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي فلما رفع رأسه أوحي الله إلى شعيا أن قل للملك صديقة فيأمر عبدا من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفي فيصبح وقد برئ ففعل فشفي.
وقال الملك لشعيا سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا قال الله لشعيا قل إني قل إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم وأنهم سيصبحون كلهم موتى إلا سنحاريب وخمسة نفر من كتابه، فلما أصبحوا جاء صارخ فصرخ على باب المدينة يا ملك بني إسرائيل أن الله قد كفاك عدوك، فاخرج فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا، فلما خرج الملك التمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى فأرسل الملك في طلبه فأدركه الطلب في مغارة وخمسة نفر من كتابه أحدهم بخت نصر، فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل فلما رآهم خر ساجدا من حين طلعت الشمس إلى العصر، ثم قال لسخاريب كيف ترى فعل ربنا بكم ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون، فقال سنحاريب قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي يرحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، فقال صديقة الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامتك على ربك ولكنه إنما أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة، ولتخبروا من ورائكم بما رأيتم من فعل ربنا بكم فتنذر من بعدكم، ولولا ذلك لقتلتكم ولدمك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلت ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامع وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وإيليا وكان يرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم، فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل القتل خير مما تفعل بنا فأمر بهم الملك إلى سجن القتل، فأوحي إلى شعيا النبي عليه السلام أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سخاريب ومن معه لينذروا من ورائهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم فبلغ شعيا الملك ذلك ففعل الملك صديقة ما أمر به، فخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده فقال له كهانه وسحرته يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم، وكان أمر سخاريب تخويفا لهم ثم كفاهم الله تذكرة وعظة ثم لبث سخاريب بعد ذلك سبع سنين ثم مات واستخلف بخت نصر ابن ابنه فخلف بخت نصر على ما كان عليه جده يعمل عمله فلبث سبعة عشرة سنة.
ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقة فمرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك بعده حتى قتل بعضهم بعضا ونبيهم شعيا عليه السلام معهم ولا يقبلون منه فلما فعلوا ذلك قال الله لشعيا قم في قومك فأوحي على لسانك فلما قام النبي أنطق الله على لسانه بالوحي فقال يا سماء اسمعي ويا أرض أنصتي فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته فاصطنعهم لنفسه وخصهم بكرامته وفضلهم على عباده، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها فأوى شاذتها وجمع ضالتها وجبر كسيرها وداوى مريضها وأسمن مهزولها وحفظ سمينها، فلما فعل ذلك بطرت فتناطحت فقتل بعضها بعضا حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير، فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون أنى جاءهم الحين، أن البعير مما يذكر وطنه فيستأبه وأن الحمار مما يذكر الأرى الذي يشبع عليه فيراجعه وأن الثور مما يذكر الأرى الذي يشبع عليه فيراجعه وإن الثور مما يذكر المرج الذي سمن منه فينتابه، وإن هؤلاء القوم لا يذكرون من حيث جاءهم الحين وهم أولو الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حمر، أنى ضارب لهم مثلا فليستمعوه قل لهم كيف ترون في أرض كانت خواء زمانا خربة مواتا لا عمر أن فيها وكان لها رب حكيم قوي فأقبل عليها بالعمارة وكره أن يخرب أرضه وهو قوي أو أن يقال ضيع وهو حكيم فأحاط عليها جدارا وشيد فيها قصرا وأنط نهرا وصفى فيها غراسا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها، وولى ذلك واستحفظه ذا رأي وهمة حفيظا قويا أمينا فلما أطلعت جاء طلعها خروبا قالوا بئست الأرض لهذه، نرى أن يهدم جدارها وقصرها ويدفن نهرها ويقبض فمها ويحرق غرسها حتى تصير كما كانت أول مرة خرابا مواتا لا عمران فيها، قال الله قل لهم فإن الجدار ديني وأن القصر شريعتي وأن النهر كتابي وأن القيم نبي وأن الغرس هم، وأن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة وأني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم وأنه مثل ضربته لهم، يتقربون إلي بذبح البقر والغنم وليس ينالني اللحم ولا آكله، ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى والكف على ذبح الأنفس التي حرمتها فأيديهم مخضوبة منها وثيابهم متزملة بدمائها، ويشيدون لي البيوت مساجد ويطهرون أجوافها ويتنجسون قلوبهم وأجسادها ويدنسوها، ويروقون لي المساجد ويزينونها ويخربون عقولهم وأخلاقهم ويفسدونها، فأي حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها وأي حاجة لي ترويق المساجد ولست أدخلها إنما أمرت برفعها لأذكر وأسبح فيها، يقولون صمنا فلم يرفع صيامنا وصلينا فلم تنور صلاتنا وتصدقنا فلم تزك صدقاتنا ودعونا بمثل حنين الحمار وبكينا بمثل عواء الذئاب في كل ذلك لا يستجاب لنا، قال الله : فاسألهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم ؟ ألست أسمع السامعين وأبصر الباصرين وأقرب المجيبين وأرحم الراحمين ؟ فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور يتقوون عليه بطعمة الحرام، وكيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني ويحادني وينتهك محارمي، أم كيف يزكوا عندي صدقاتهم وهم يتصدقون بأموال غيرهم إنما آجر عليها أهلها المعصومين، أم كيف أستجيب دعاءهم وإنما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد إنما أستجيب للوداع اللين وإنما أسمع قول المستعف المسكين، وإن من علامة رضائي رضاء المساكين، يقولون لما سمعوا كلامي وبلغتهم رسالتي أنها أقاويل متقولة وأحاديث متوارثة وتأليف مما يؤلف السحرة والكهنة، وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا، ولو شاءوا أن يطلعوا على علم الغيب بما يوحي إليهم الشياطين اطلعوا، وأني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض قضاء أثبته وحتمته على نفسي وجعلت دونه أجلا مؤجلا لا بد أنه واقع فإن صدقوا بما ينتحلون من علم الغيب فليخبروك متى أنفذه أو في أي زمان يكون، وإن كانوا أن يقدروا على أن يأتوا بما يشاءون فليأتوا بمثل القدرة التي بها أمضيه فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون وإن كانوا يقدرون على أن يؤلفوا ما يشاءون فليؤلفوا مثل الحكمة التي بها أدبر بها أمر ذلك القضاء إن كانوا صادقين، وإني قد قضيت يوم خلقت السماوات والأرض أن أجعل النبوة في الأجراء وأن أجعل الملك في الرعاء والعز في الأذلاء والقوة في الضعفاء والغني في الفقراء والعلم في الجهلة والحكم في الأميين، فسلهم متى هذا ومن القائم به ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون، فإني باعث لذلك نبيا أميا ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا متزين بالفحش ولا قوال للحياء، أسدده لكل خميل وأهب له كل خلق كريم ثم أجعل السكينة لبأسه والبر شعاره والتقوى ضميره والحكمة معقوله والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والعدل سيرته والحق شريعته والهدى أمامه والإسلام ملته وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة وأعلم به من الجهالة وأرفع به بعد الخمالة وأشهر به بعد النكرة وأكثر به بعد القلة وأغني به بعد العيلة وأجمع به بعد الفرقة وأؤلف به بين قلوب مختلفة وأهواء متشتتة وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر توحيدا إلي وإيمانا بي وإخلاصا لي، يصلون لي قياما وقعودا وركوعا وسجودا ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضواني، ألهمهم التكبير والتوحيد والتسبيح والتحميد والمدحة والتمجيد لي في مسيرهم ومجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم، يكبرون ويهللون ويقدسون على رؤوس الأشراف ويطهرون لي الوجوه والأطراف ويعقدون الثياب على الأنصاف، قربانهم دماؤهم وأنا جيلهم صدورهم رهبان بالليل ليوث بالنهار، وذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم، فلما فرغ شعيا من مقالته عدوا عليه ليقتلوه فهرب منهم فلقيته شجرة فانفلقت له فدخل فيها فأدركه الشيطان وأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها.
واستخلف الله على بني إسرائيل بعد ذلك رجلا منهم يقال له ناشيه بن أموص وبعث لهم أرميا بن حلقيا نبيا من سبط هارون بن عمران، وذكر ابن إسحاق أنه الخضر عليه السلام واسمه أرميا سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فقام عنها وهي تهتز خضراء فبعث الله أرميا إلى ذلك الملك يسدده ويرشده



١ سورة آل عمران، الآية: ٨٠..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير