ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

(ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) منصوب على الاختصاص والمعنى نخص بالذكر ذرية من قد حملنا، ويصح أن تكون نداء، والمعنى يا ذرية من قد حملنا مع نوح، والخطاب لأتباع محمد أو من بعث فيهم محمد - ﷺ - وبني إسرائيل، وإنه قد أكد سبحانه وتعالى أنهم من ذرية من حمل مع نوح، وكان الذين حملوا مع نوح في السفينة هم المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، ولم يكونوا مشركين، كما قال تعالى عند النجاة فوق السفينة، (... وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَق عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ).
والمعنى أن أصلكم قد اختاره من بين المشركين ليكون الإيمان هو الباقي، وقد كرم الله من تبع نوحا، والذين آمنوا به بتكريم نوح وذكر فضله فقال: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا)، الضمير يعود إلى نوح - عليه السلام -، وذكر له سبحانه وصفين كريمين: الوصف الأول: أنه كان عبدا يحس بنعمة العبودية لله تعالى فلم يكن ذا جبروت، بل كان خاضعا لله سبحانه وتعالى، والخضوع لله تعالى وحده هو العزة التي لَا ذل فيها ولا استكبار.
والوصف الثاني: أنه شكور، أي كثير الشكر لله تعالى على نعمائه في سرائه وضرائه، جاء في الكشاف للزمخشري ما نصه: " إنه كان إذا أكل قال الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني، ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني، ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني، ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاي في عافية، ولو شاء حبسه "، وروي أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به، فإن وجده محتاجا آثره ".

صفحة رقم 4331

وسواء صحت نسبة هذه المعاني إلى أبي البشرية الثاني أم لم تصح فإن هذا الكلام يدل على أن في كل أمر من أمور الإنسان نعمة توجب الشكر.
وإن ذكر هذه الأوصاف لنوح - عليه السلام - فيه تعليل لشرف الاتباع له وبيان أن من حملهم معه جديرون بالتكريم، وفيه مع ذلك دعوة لأن يجعلوه أسوة فقد جعله من حملهم معه أسوة لهم فاتخذوه أيضا أسوة.
بعد ذلك بين اللَّه ما فعله بنو إسرائيل في المسجد الأقصى، فقال عز من قائل:
* * *
(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)
* * *
بعد أن ذكر سبحانه مكانة بيت المقدس وأنه مَسْرى النبي - ﷺ - ومنه عرج بروحه إلى السماوات العلا ذكر سبحانه ما صنعه بنو إسرائيل حوله، وما صنع به

صفحة رقم 4332

فى حكمهم حتى أسلموه إلى غيرهم، أو انتزعوه منهم، وجاء الإسلام فأنقذه من أعدائهم، وكان في المسلمين قوة، وكان الإيمان قوتهم، فلما ضعفوا وهانوا كان الحكام من غيرهم، فآذاهم فيه النصارى أولا ثم تدرع اليهود بدرع غيرهم وتنمروا.
قال تعالى:

صفحة رقم 4333

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية