عن الآلهة فقال: فَلَا يَمْلِكُونَ، أي: فهم لا يملكون، كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ، يعني البؤس والشدة.
وَلَا تَحْوِيلًا قال ابن عباس: يريد من السقم والفقر إلى الصحة والمغنى (١)، وفي هذا احتجاج عليهم وبيان أنهم في عبادتهم على الباطل، والتَّحْويل: النقل من حال إلى حال، ومكان إلى مكان، يقال: حَوَّلَه فتحوَّل، ويُذكر تمام هذا الحرف عند قوله: لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: ١٠٨]، إن شاء الله.
٥٧ - قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ، أي: أولئك الذين يدعونهم المشركون، واختلفوا فيهم؛ من هم؟ فرُوي بطرق مختلفة عن ابن مسعود أنه قال: كان نفر من الإنس -قال المفسرون: وهم خزاعة (٢) - يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجنّ، واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الآية (٣). روى هذا قتادة عن عبد الله بن معبد
(٢) ورد في "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٢٥، انظر: "تفسير أبي حيان" ٦/ ٥١.
(٣) أخرجه "عبد الرزاق" ٢/ ٣٧٩، بنحوه من طريقين، والبخاري (٤٧١٥) كتاب: التفسير، الإسراء، باب: قوله أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ بنحوه من طريق الأعمش، وليس فيه التصريح بالنزول، ومسلم (٣٠٣٠) كتاب: التفسير باب: في قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بنصه من طريق الأعمش، والنسائي في "تفسيره" ١/ ٦٥٢، بنحوه، و"الطبري" ١٥/ ١٠٤ بنصه وبنحوه من عدة طرق ورجحه، والحاكم: التفسير/ الإسراء ٢/ ٣٦٢، بنحوه من طريق الأعمش، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٦٥، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٧٣، و"هود الهواري" ٢/ ٤٢٦، و"الثعلبي" ٧/ ١١١ ب، و"الماوردي" ٣/ ٢٥٠، و"الطوسي" ٦/ ٤٩١، انظر: "لباب النقول" ص ١٣٧.
الزِّمَّاني (١) عن ابن مسعود.
وقال أبوصالح عن ابن عباس في هذه الآية: هم عيسى وعزير والملائكة، وما كان عُبِدَ من دون الله وهو لله مطيع (٢)، ونحو هذا قال مجاهد والسدي والحسن (٣)، قال الفراء: قوله: يَدْعُونَ فِعلُ الآدميين العابدين، وقوله تعالى: يَبْتَغُونَ فِعلٌ للمعبودين الذين عبدوهم (٤).
ومعنى يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ قال ابن عباس: يتضرعون إلى الله في طلب الجنة (٥)، والوسيلة: الدرجة العليا (٦).
(٢) أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٠٥ من طريق أبي صالح (واهية) بروايتين، وفيهما قال: عيسى وأمه وعُزير، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٦٦ مختصرًا، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٧٣ بنصه، و"الثعلبي" ٧/ ١١١ ب بزيادة وأمه والشمس والقمر والنجوم، و"الماوردي" ٣/ ٢٥١ مختصرًا، و"الطوسي" ٦/ ٤٩١، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" ٥/ ١٠١، و"الدر المنثور" ٤/ ٣٤٣ بزيادة وحذف، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.
(٣) "تفسير مجاهد" ١/ ٣٦٤، وأخرجه "الطبري" ١٥/ ١٠٦، عن السدي ومجاهد من طريقين، وورد في "تفسير هود الهواري" ٢/ ٤٢٦، عن الحسن، و"الثعلبي" ٧/ ١١١ ب عن مجاهد، و"الماوردي" ٣/ ٢٥١ عن مجاهد، و"الطوسي" ٦/ ٤٩١ عن الحسن، انظر: "تفسير ابن كثير" ٣/ ٥٣، عن السدي.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٢٥ بمعناه.
(٥) ورد بنصه غير منسوب في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١١١ ب، و"القرطبي" ١٠/ ٢٧٩.
(٦) ومن ذلك ماورد في حديث الأذان: (.. آت محمدًا الوسيلة والفضيلة..) أخرجه البخاري (٤٧١٩) كتاب: الَتفسير، باب: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم =
وقال الزجاج: الوسيلة والسؤال والطِّلْبَةُ في معنى واحد (١)، وقد مرَّ ذكرى الوسيلة (٢)، و أُولَئِكَ رُفع بالابتداء، و الَّذِينَ صفة لهم، و يَدْعُونَ صلة، و يَبْتَغُونَ خبر الابتداء.
وقوله تعالى: أَيُّهُمْ أَقْرَبُ قال الزجاج: أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لأنه بدل من الواو في يَبْتَغُونَ، والمعنى: يبتغي أيّهم هو أقرب الوسيلة إلى الله؛ أي يتقرب إليه بالعمل الصالح (٣)، ونحو هذا قال ابن عباس في قوله: أَيُّهُمْ أَقْرَبُ قال: يتقربون إلى الله بصالح الأعمال؛ فيرجون رحمته، ويريدون جنته، ويخافون عذابه.
قال أبو إسحاق: أي الذين يزعمون أنهم آلهة يرجون ويخافون (٤).
وقرأ ابن مسعود: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بالتاء (٥)، يَبْتَغُونَ بالياء،
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٤٦ بنصه تقريبًا.
(٢) في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة: ٣٥].
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٤٦، بنصه.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٤٦، بنصه.
(٥) ورد في إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٤٥، انظر: "تفسير الثعلبي" ٧/ ١١١ ب- وذكر أن يَبْتَغُونَ أيضًا بالتاء، وهو مما انفرد به، وقد قال القرطبي: ولا خلاف في يَبْتَغُونَ أنه بالياء، و"تفسير السمعاني" ٣/ ٢٥٠، و"البغوي" ٥/ ١٠١، و"ابن عطية" ٩/ ١١٩، و"القرطبي" ١٠/ ٢٧٩، ووردت يَدْعُونَ بالياء مبنيًّا للمجهول=
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي