فعند ذلك سأل ربه النظرة إلى يوم القيامة؛ ليغوين عباده، وعلم اللعين: أن طاعة خلقه له لا تزيد في ملكه شيئًا، وعصيانهم لا ينقص في ملكه شيئًا. لذلك قال: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ)، (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ)، (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ)، وما ذكر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)
مع إحساني إليهم وإنعامي عليهم.
(فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا).
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على التمكين له ذلك والإقدار على ما ذكر، أي: مكن له ذلك، وأقدر عليه؛ لخذلانه إياه لما عصى ربه وترك أمره؛ لما رأى أمره بالسجود لآدم جورًا منه، حيث قال له: (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ). مكن له ذلك، لتتم له اللعنة والخذلان.
والثاني: قال ذلك له على التوعد والتهدد؛ ألا ترى أنه ذكر هذا على أثر وعيد، وهو قوله: (فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا)، فيخرج على إثر ذلك مخرج الوعيد له ولمن تبعه وأجابه، كقوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، لهذا وإن كان ظاهره أمرًا فهو وعيد؛ فعلى هذا قوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ) فإن لك ولمن تبعك كذا.
أو لما ذكرنا من التمكين له ذلك والإقدار على ذلك ليتم له اللعنة والخذلان.
والثاني: قال ذلك الذي لعنه، وإلا لا يجوز أن يكون اللَّه يأمره بما ذكر أن يخرج الأمر بما ذكر مخرج سفه والأمر بالفحشاء، وقد أخبر أنه: لا يأمر بالفحشاء والمنكر، وإنما يأمر بالعدل؛ كقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ)؛ فلو حمل هذا على الأمر لكان أمرًا بالفحشاء والمنكر فدل أنه يخرج على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما، أو على الاستبعاد والإياس عن أن يملك أو يقدر عليهم بما ذكر إلا من اختار منهم اتباعه، وهو ما ذكر: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ...) الآية. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَفْزِزْ): قَالَ الْقُتَبِيُّ، أي: استخف، والرجل: الرجالة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَاسْتَفْزِزْ)، أي: استخف، أي: دعاه فأجابه وأمره فأطاعه؛ وعلى هذا يخرج قوله: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ)، أي: أمرهم فأطاعوه، أو دعاهم فأجابوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِصَوْتِكَ).
يحتمل وجوهًا ثلاثة:
أحدها: على حقيقة الصوت، يكون له صوت يدعو الناس به، فيسمع ذلك الصوت النفس الخفية التي تكون في هذه النفس الظاهرة الكثيفة، ولا تسمعه النفس الظاهرة، على ما يخطر أشياء بالقلب من غير أن يعلم به الإنسان أنه من أين جاء؟ ومن أين هيجانه؟ وعلى ما يقذف ويوسوس أشياء في القلوب من غير أن يعلم ذلك ويطلع عليه؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون له صوت يدعو الناس به، وإن كنا لا نسمعه؛ لكنه يسمع النفس الخفية بما يسمع النفس الظاهرة، وبها نبصر - أعني: بالنفس الخفية - ألا ترى أن النائم يرى أشياء ويكون في أقصى الدنيا، ونفسه الظاهرة ملقاة هاهنا؛ فذلك كله بالنفس الخفية.
والثاني: على التمثيل، ليس على تحقيق الصوت، لكن ذكر الصوت؛ لما بالصوت يوصل إلى إعلام بعضهم بعضًا، وبه يدعو بعضهم بعضًا عند البعد؛ فذكر الصوت له مكان الوسوسة التي يوسوس الناس أشياء من بعد، ويدعوهم به إلى معاصي اللَّه - تعالى - وكذلك قال الحسن في قوله: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ): من بعد من غير أن كان هنالك تقرب منه.
والثالث: على إضافة عمل كل عاص من نحو الغناء والمزامير وغيره، أو ما يضاف عمل كل طاغ وكل ضال إليه؛ أضيف ذلك إليه كما أضاف إليه موسى حيث قال: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)، وقوله: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ)، ولم يكن ذلك عمل الشيطان حقيقة، ولكن قال ذلك وأضافه إليه؛ لما بأمره ودعائه يعمل ذلك.
وقال عامة أهل التأويل: (بِصَوْتِكَ)، أي: بدعائك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَجْلِبْ)، أي: اجمعهم، ويقال: وأجلبتهم، أي: أعنتهم -أيضًا- وهو قول أبي عَوْسَجَةَ.
وقوله: (بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ).
يخرج على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا:
أحدها: أن يكون له خيل ورجالة من جنسه وجوهره يجلبهم بهم، وإن كنا لا نراهم؛ كما قال: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ...) الآية؛ فجائز أن يكون له خيل ورجالة وجنود لا نراهم نحن، وهم يروننا.
والثاني: على ما ذكرنا: أنه على التمثيل، لكنه ذكر الخيل والرجل؛ لما بالخيل والمشي يصل بعض إلى بعض عند الحاجة إليه في البعد والقرب؛ فذكر ذلك له على ما ذكرنا في الصوت.
والثالث: أنه أضاف كل خيل راكب في معصية اللَّه، أو كل ماش مشى في معصية اللَّه إليه؛ على ما ذكرنا في الصوت: أنه أضاف كل صوت في معصية اللَّه إليه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا):
قَالَ الْقُتَبِيُّ: (مَوْفُورًا)، أي: موفرًا.
وقال غيره: وافرًا.
وفي قوله: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن إبليس سأل ربه التأخير والإبقاء له إلى يوم القيامة، وقد علم أنه إذا أعطاه ذلك له يفي ما وعد، وأبقاه إلى ذلك الوقت، وهم لم يعرفوا ذلك؛ بل قالوا: إنه يجيء عبد فيقتله؛ فيمنعه عن وفاء ما وعد، والإبقاء إلى الوقت الذي وقت له؛ فهو أعرف بربه منهم، وكذلك قال: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي)، وهم يقولون لم يغوه؛ فهو أعرف به منهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ).
قال بعض أهل التأويل: مشاركته في الأموال: هي أن يجعلوا له البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي؛ على ما كانوا يفعلونه.
وأمَّا الأولاد: فإنهم هودوهم ونصروهم، ومجَّسوهم، وهو قول قتادة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: مشاركته في الأموال: هي أن يكتسبوها من خبيث وحرام، وينفقونها في مثله وفيما لا يحل.
وأمَّا الأولاد: ما ولدوا من الزنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأموال: ما كانوا يذبحون لآلهتهم، ويجعلون لها من الحرث والأنعام.
والأولاد: ما ولدوا من الزنا.
وجائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ...)، إلى آخر ما ذكر؛ حتى تشاركهم في الأموال والأولاد.
ثم معنى المشاركة له - فيما ذكر، واللَّه أعلم - هو أن هذه الأموال والأولاد لله - تعالى - حقيقة؛ لما هو أنشأها وخلقها؛ فحقيقة الملك له بما ذكرنا، وظاهر الانتفاع لعبيده؛ إذ هذا كله لله بحق المحنة يمتحنهم وحق الانتفاع لهم؛ إذ لا يجوز أن يخلق اللَّه شيئًا لمنفعة نفسه، ولكن يخلق لمنافع أنفسهم؛ ليمتحنهم بها. وقد شرع اللَّه لهم شرائع، وشرع لهم إبليس شرائع، وهو ما ذكر: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)، فإذا صرفوا ذلك إلى ما شرع لهم إبليس دون ما شرع اللَّه - فقد أشركوه فيها، وكل ما أطيع فيها مما سنَّ لهم إبليس وشرع لهم - فذلك شركته فيها؛ وذلك أن الأولاد في الشاهد إنما تطلب لأحد الوجوه الثلاثة:
إما للاستئناس بهم في حال الوحشة.
وإما للاستنصار بهم والعون على أعدائهم.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم