وقوله : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ قيل : هو الغناء. قال مجاهد : باللهو والغناء، أي : استخفهم بذلك.
وقال ابن عباس في قوله : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ قال : كل داع دعا إلى معصية الله، عز وجل، وقال قتادة، واختاره ابن جرير.
وقوله : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ يقول : واحمل عليهم بجنودك خَيَّالتهم ورَجْلتَهم١ ؛ فإن " الرّجْل " جمع " راجل "، كما أن " الركب " جمع " راكب " و " صحب " جمع " صاحب ".
ومعناه : تسلط عليهم بكل ما تقدرعليه. وهذا أمر قدري، كما قال تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [ مريم : ٨٣ ] أي : تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا، وتسوقهم إليها٢ سوقًا. وقال ابن عباس، ومجاهد في قوله : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قال : كل راكب وماش في معصية الله.
وقال قتادة : إن له خيلا ورجالا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونه.
وتقول العرب :" أجلب فلان على فلان " : إذا صاح عليه. ومنه :" نهى في المسابقة عن الجَلَب والجَنَب " ومنه اشتقاق " الجلبة "، وهي ارتفاع الأصوات.
وقوله : وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ قال ابن عباس ومجاهد : هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله.
وقال عطاء : هو الربا. وقال الحسن :[ هو ]٣ جمعها من خبيث، وإنفاقها في حرام. وكذا قال قتادة.
وقال العوفي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما : أما مشاركته إياهم في أموالهم، فهو ما حرموه من أنعامهم، يعني : من البحائر والسوائب ونحوها. وكذا قال الضحاك وقتادة.
[ ثم ]٤ قال ابن جرير : والأولى أن يقال : إن الآية تعم ذلك كله.
وقوله : وَالأولادِ قال العوفي عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك : يعني أولاد الزنا.
وقال علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس : هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهًا بغير علم.
وقال قتادة، عن الحسن البصري : قد والله شاركهم في الأموال والأولاد مَجَّسُوا وهودوا ونَصّروا وصبغوا غير صبغة الإسلام، وجَزَّؤوا من أموالهم جزءًا للشيطان٥ وكذا قال قتادة سواء.
وقال أبو صالح، عن ابن عباس : هو تسميتهم أولادهم " عبد الحارث " و " عبد شمس " و " عبد فلان ".
قال ابن جرير : وأولى الأقوال بالصواب أن يقال : كل مولود ولدته أنثى، عصى الله فيه، بتسميته ما٦ يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله ووأده، وغير ذلك من الأمور التي يعصي٧ الله بفعله به أو فيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه ؛ لأن الله لم يخصص بقوله : وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى، فكل ما عصي الله فيه - أو به، وأطيع فيه الشيطان - أو به، فهو مشاركة.
وهذا الذي قاله مُتَّجه، وكل٨ من السلف، رحمهم الله، فسر بعض المشاركة، فقد ثبت في صحيح مسلم، عن عياض بن حمار٩، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يقول الله عز وجل : إني خلقت عبادي حُنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم١٠ عن دينهم، وحَرّمت عليهم ما أحللت لهم " ١١.
وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال : بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدّر بينهما ولد في ذلك، لم يضره الشيطان أبدًا " ١٢.
وقوله : وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول إذا حصحص الحق يوم يقضى بالحق : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ الآية [ إبراهيم : ٢٢ ].
٢ في ت: "إلينا"..
٣ زيادة من ف، أ..
٤ زيادة من ف، أ..
٥ في ف: "الشيطان"..
٦ في ف: "بما"..
٧ في ت: "يعفى".
.
٨ في ت، ف" "فكل"..
٩ في ف، أ: "عن ابن عباس عن عياض بن حمار". وفي ت: "حماد" بدل "حمار"..
١٠ في ت: "واجتالتهم"..
١١ صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥)..
١٢ صحيح البخاري برقم (١٤١) وصحيح مسلم برقم (١٤٣٤)..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة