قوله تعالى : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ في الأمْوَالِ وَالأوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة : هذا أمر قدري ؛ كقوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً [ مريم : ٨٣ ] أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً، وتسوقهم إليها سوقاً انتهى.
قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر لي أن صيغ الأمر في قوله وَاسْتَفْزِزْ ، وقوله وَأَجْلِبْ ، وقوله وَشَارِكْهُمْ إنما هي للتهديد، أي افعل ذلك فسترى عاقبته الوخيمة. كقوله اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ [ فصلت : ٤٠ ] وبهذا جزم أبو حيان «في البحر »، وهو واضح كما ترى. وقوله وَاسْتَفْزِزْ أي استخف من استطعت أن تستفزه منهم ؛ فالمفعول محذوف لدلالة المقام عليه. والاستفزاز : الاستخفاف. ورجل فز : أي خفيف ؛ ومنه قيل لولد البقرة : فز ؛ لخفة حركته. ومنه قول زهير :
| كما استغاث بسيئ فز غيطلة | خاف العيون ولم ينظر به الحشك |
وقرأ حفص عن عاصم «ورجلك » بكسر الجيم لغة في الرجل جمع راجل.
وقال الزمخشري : هذه القراءة على أن فعلاً بمعنى فاعل، نحو تعب وتاعب ومعناه وجمعك الرجل اه أي الماشيين على أرجلهم.
وَشَارِكْهُمْ في الأمْوَالِ وَالأوْلَادِ [ ٨٤ ].
أما مشاركته لهم في الأموال فعلى أصناف :( منها ) ما حرموا على أنفسهم من أموالهم طاعة له ؛ كالبحائر والسوائب ونحو ذلك، وما يأمرهم به من إنفاق الأموال في معصية الله تعالى، وما يأمرهم به من اكتساب الأموال بالطرق المحرمة شرعاً كالربا والغصب وأنواع الخيانات. لأنهم إنما فعلوا ذلك طاعة له.
أما مشاركته لهم في الأولاد فعلى أصناف أيضاً :
منها قتلهم بعض أولادهم طاعة له.
ومنها أنهم يمجسون أولادهم ويهودونهم وينصرونهم طاعة له وموالاة.
ومنها تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزى ونحو ذلك، لأنهم بذلك سموا أولادهم عبيداً لغير الله طاعة له. ومن ذلك أولاد الزنى ؛ لأنهم إنما تسببوا في وجودهم بارتكاب الفاحشة طاعة له إلى غير ذلك.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن الله قد بين في آيات من كتابه بعض ما تضمنه هذه الآية من مشاركة الشيطان لهم في الأموال والأولاد، كقوله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَآءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ [ الأنعام : ١٤٠ ] فقتلهم أولادهم المذكور في هذه الآية طاعة للشيطان مشاركة منه لهم في أولادهم حيث قتلوهم في طاعته. وكذلك تحريم بعض ما رزقهم الله المذكور في الآية طاعة له مشاركة منه لهم في أموالهم أيضاً. وكقوله وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا [ الأنعام : ١٣٦ ] الآية، وكقوله : وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [ الأنعام : ١٣٨ ] الآية، وقوله : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [ يونس : ٥٩ ]، إلى غير ذلك من الآيات. ومن الآحاديث المبينة بعض مشاركته لهم فيما ذكر ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«يقول الله عز وجل إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم »، وما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :«لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله فقال بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان » انتهى.
فاجتيال الشياطين لهم عن دينهم، وتحريمها عليهم ما أحل الله لهم في الحديث الأول، وضرها لهم لو تركوا التسمية في الحديث الثاني كل ذلك من أنواع مشاركتهم فيهم. وقوله «فاجتالتهم » أصله افتعل من الجولان : أي استخفتهم الشياطين فجالوا معهم في الضلال ؛ يقال : جال واجتال : إذا ذهب وجاء، ومنه الجولان في الحرب : واجتال الشيء : إذا ذهب به وساقه. والعلم عند الله تعالى. والأمر في قوله وَعِدْهُمْ كالأمر في قوله وَاسْتَفْزِزْ ، وقوله وَأَجْلِبْ . وقد قدمنا أنه للتهديد.
وقوله وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا بين فيه أن مواعيد الشيطان كلها غرور وباطل ؛ كوعده لهم بأن الأصنام تشفع لهم وتقربهم عند الله زلفى، وأن الله لما جعل لهم المال والولد في الدنيا سيجعل لهم مثل ذلك في الآخرة، إلى غير ذلك من المواعيد الكاذبة.
وقد بين تعالى هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً [ النساء : ١٢٠ ]، وقوله : وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ الأمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ [ الحديد : ١٤ ]، وقوله : وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الاٌّمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [ إبراهيم : ٢٢ ]، إلى غير ذلك من الآيات.
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان