وكشف كتاب الله الستار عن بعض الوسائل التي يتوسل بها إبليس إلى إغواء الخلق، فقال تعالى في صيغة الزجر والتهديد : واستفزز من استطعت منهم بصوتك ، ويصدق هذا على الأغاني المثيرة والمزامير المهيجة، التي تضج بها أندية الليل وأوكار الفساد، كما يصدق على الخطب والتصريحات، التي تثير الفتن بين الأفراد والجماعات، ثم قال : واجلب عليهم بخيلك ورجلك ، ويصدق هذا على الحروب العدوانية، والفتن الداخلية، وشاركهم في الأموال والأولاد ، قال الزجاج : " كل معصية في مال وولد فإبليس شريكهم فيها ". ويصدق هذا على الأموال والمكاسب المحرمة، والمعاملات الفاسدة، والأموال التي تنفق في اللهو والمجون، والفسوق والفجور، كما يصدق في " الأولاد " على الأولاد الذين يقع إنجابهم بالسبب الحرام، أو يطلب آباؤهم الحصول عليهم عن طريق النذر الحرام، أو يقع استعمالهم في العمل الحرام، ويندرج تحت هذه الآية " أولاد الغير " الذين يقع تبنيهم وإدماجهم في سجل " الحالة المدنية "، فتختلط بسبب تبنيهم الباطل الأنساب والأرحام. وهذه إنما هي أمثلة لبعض ما تصدق عليه الآية الكريمة من فنون الإغواء والإغراء التي يتعرض لها أتباع إبليس، من عشاق الشهوات، وأسراء اللذات.
وقوله تعالى هنا : وعدهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا يفسره ويؤكده قوله تعالى في آية أخرى : وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم |إبراهيم : ٢٢|. نعم إن لله عبادا " مخلصين " تعهد الحق سبحانه وتعالى بحمايتهم من إغواء إبليس، وبحفظهم من إغرائه، وواضح أنهم لم يستحقوا أن يضافوا إلى اسمه الأعلى وجنابه الأقدس، إلا بعد أن جاوزوا القنطرة، وفارقوا منطقة الخطر، فقال تعالى في شأنهم وهو أصدق القائلين : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، وكفى بربك وكيلا .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري