نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٨:وفي هذا الخضم من الصراع بين الحق والباطل وجه الحق سبحانه وتعالى إلى نبيه عدة وصايا وتوجيهات، حتى يمضي في طريقه قدما إلى الأمام، دون أدنى تردد ولا إحجام، فقال تعالى مخاطبا لنبيه : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا، ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا، وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا . وفي هذا الخطاب دعوة من الله لنبيه أن يستعين بإقامة الصلاة على تبليغ الرسالة، وأن يستعين بالدعاء الصالح على أداء الأمانة، ملتزما الصدق في الدعوة إلى الله حيثما حل وارتحل، سائلا من الله النصرة والتأييد، لدينه الحق الذي هو دين التوحيد. قال قتادة في تفسير قوله تعالى هنا : واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا :" إن نبي الله صلى الله عليه وسلم علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل قويهم ضعيفهم ". وجاء في الأثر –أن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن- أي يمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام، ما لا يمتنع عنه كثير من الناس، بمجرد موعظة القرآن.
وذهب الإمام مالك إلى أن هذه الآية الكريمة : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر تتضمن الإشارة إلى مواقيت الصلوات الخمس زيادة على ما ثبت في شأنها من السنة النبوية المتواترة، الفعلية والقولية، وبناء على هذا التفسير يكون قوله تعالى : لدلوك الشمس متناولا لصلاتي الظهر والعصر، بناء على أن " دلوك الشمس " هو ميلها، وله أول وهو الزوال، وآخر وهو الغروب، ويكون قوله تعالى : غسق الليل متناولا لصلاتي المغرب والعشاء، بناء على أن " غسق الليل " هو ظلمته ولها ابتداء وانتهاء ، فابتداؤها عند دخول الليل، وانتهاؤها عند غيبوبة الشفق، ويكون قوله تعالى : قرآن الفجر متناولا لصلاة الصبح. و الفجر يعني سيلان الضوء وجريان النور في الأفق، من فجر الماء وفجره إذا أنبطه وفتح له طريقا للسيلان والجريان. واكتفى بعض المفسرين في تحديد مواقيت الصلاة بما تواتر في شأنها من السنة، من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله، وقصر هذه الآية من أولها إلى آخرها على موضوع واحد هو " قيام الليل " الذي فرضه الله على رسوله دون أمته، فكان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى ترم قدماه، وكان ذلك من جملة خصائصه، وفسر " دلوك الشمس " بغروبها فقط، تبعا لعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وعلي بن أبي طالب، وطبقا لهذا التفسير تكون الآية متعلقة بالتهجد النبوي لا غير. ومعنى " التهجد " ترك الهجود وهو النوم، للقيام بمناجاة الله والخلوة بذكره في هدوء الليل ومن الليل فتهجد به أي بالقرآن الكريم نافلة لك أي زيادة لك خاصة بك دون بقية الناس عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا أي افعل ما أمرك به ربك ليقيمك يوم القيامة مقاما محمودا تحمدك فيه الخلائق، " فعسى " في هذا السياق تستوجب وقوع ما بعدها، ولا تحتمل الشك مطلقا.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري