[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨)اللغة:
(مُلْتَحَداً) : ملتجأ تجنح اليه لائذا إن هممت بالتبديل للقرآن وفي المصباح: «قال أبو عبيدة: ألحد إلحادا جادل ومارى ولحد جار وظلم وألحد في الحرم استحل حرمته وانتهكها والملتحد بالفتح اسم الموضع وهو الملجأ» وفي القاموس: «التحد عن الدين بمعنى ألحد والتحد إلى كذا مال والتحد إلى فلان التجأ».
(وَلا تَعْدُ عَيْناكَ) لا تنصرف يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا طوره وجاءني القوم عدا زيد فحق الكلام أن يقال بالنصب أي لا تعد عينيك وانما عدل الى الرفع لأنه أراد صاحب العينين فهو من المجاز وسيأتي مزيد شرح له في باب البلاغة.
(فُرُطاً) : بضمتين أي مجاوزا الحد وقد تقدم شرح هذه المادة مفصلا. صفحة رقم 578
الإعراب:
(وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ) الواو عاطفة واتل فعل أمر مني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة أوحي صلة وإليك متعلقان بأوحي ومن كتاب ربك حال من ما.
(لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) لا نافية للجنس ومبدل اسمها مبني على الفتح ولكلماته خبر والجملة حالية ولن تجد عطف ومن دونه حال وملتحدا مفعول به. (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) واصبر عطف وهو فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت ونفسك مفعول به ومعنى الصبر هنا حبس النفس وتثبيتها وفي المختار: الصبر حبس النفس عن الجزع وبابه ضرب وصبره حبسه قال تعالى: «واصبر نفسك» وقال أبو ذؤيب يرثي ابنه:
| فصبرت عارفة لذلك جسرة | ترسو إذا نفس الجبان تطلع |
ذكرنا متعلقان بأغفلنا واتبع هواه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به والواو عاطفة وكان واسمها وخبرها.
البلاغة:
المجاز العقلي:
في قوله «ولا تعد عيناك» مجاز عقلي لأنه أسند فعل عدا أي تجاوز الى العينين ومن حقه أن يسندهما إليه لأن عدا متعد بنفسه كما تقدم وانما جنح الى المجاز لأنه أبلغ من الحقيقة فكأن عينيه ثابتتان في الرنو إليهم وكأنما أدركتا ما لا تدركان وأحستا بوجوب النظر الى هؤلاء وصبر النفس ورياضتها على ملازمتهم.
وقيل هو من باب التضمين فقد ضمن عدا معنى نبا وعلا من قولهم نبت عينه عنه إذا اقتحمته ولم تعلق به والغرض من هذا التضمين إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى مفرد أي لا تقتحمهم عيناك مجاوزتين الى غيرهم وهو جميل أيضا.
الفوائد:
القاعدة في اسم التفضيل انه إذا كان مقترنا بأل امتنع وصله بمن الجارة فلا يقال فلان الأفضل من فلان ووجبت مطابقته لما قبله إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا وقد شذ وصله بمن في قول الشاعر:
ولست بالأكثر منهم حصى... وإنما العزة للكاثر
وإذا تجرد من أل والاضافة فلا بد من إفراده وتذكيره في جميع
أحواله وأن تتصل به من المجارة ولو تقديرا نحو قوله تعالى «وللآخرة خير وأبقى».
وإذا أضيف الى نكرة وجب إفراده وتذكيره وامتنع وصله بمن الجارة.
وإذا أضيف الى معرفة امتنع وصله بمن الجارة وجاز فيه وجهان:
الإفراد والتذكير كالمضاف الى نكرة ومطابقته لما قبله وقد ورد الاستعمالان في القرآن فمن الأول «ولتجدنهم أحرص الناس على حياة» ولم يقل أحرصي الناس ومن الثاني «وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها».
حكم الدنيا: هذا والقياس أن تأتي الدنيا بالألف واللام لأنها صفة في الأصل على وزن فعلى والمذكر الأدنى له فمن حقها المطابقة كما أتت في الآية التي نحن بصددها على أنهم استعملوها استعمال الأسماء فهم لا يكادون يذكرون معها الموصوف فاستعملوها بغير ألف ولام كسائر الأسماء قال العجاج:
| يوم ترى النفوس ما أعدت | من نزل إذا الأمور غبت |
| في سعي دنيا طالما قد مدت | حتى انقضى قضاؤها فأدت |
| وإن دعوت الى جلى ومكرمة | يوما سراة كرام الناس فادعينا |
كالرجعى والبشرى بمعنى الرجوع والبشارة فأما قول أبي نواس الحسن ابن هانىء يصف الخمر:
| كأن صغرى وكبرى من فواقعها | حصباء در على أرض من الذهب |
وقال ابن الأثير في المثل السائر: «ألا ترى أن أبا نواس كان معدودا في طبقات العلماء مع تقدمه في طبقات الشعراء وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه فقال في صفة الخمر:
| كأن صغرى وكبرى من فواقعها | حصباء در على أرض من الذهب |
عن الاضافة وعن الألف واللام فانظر كيف وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته».
ورد ابن أبي حديد في كتاب «الفلك الدائر» على هذا القول بأن قال: «لا ينكر أن كثيرا من أئمة العربية طعن في هذا البيت ولكن انتصر لأبي نواس كثير منهم فقالوا: وجدنا فعلى أفعل في غير موضع واردة بغير لام ولا إضافة ولا من مثل دنيا في قول الراجز: في سعي دنيا طالما قد مدت، وقول الآخر: وإن دعوت الى جلى ومكرمة، وقول الآخر لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة، وقالوا: طوبى لك. وفي البيت وجه آخر وهو أن تكون من في قوله من فواقعها زائدة على مذهب أبي الحسن الأخفش في زيادة من في الواجب فإنه يذهب الى ذلك ويحتج بقوله تعالى: «فيها من برد» أي فيها برد وهذا يرجح أن يكون صغرى وكبرى في البيت مضافتين».
وقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: هذا عجيب من مثل هذا الرجل الفاضل أما إيراده دنيا وأخواتها فكل وجوهها مذكورة في كتب النحاة بما يغني عن الإطالة بذكره بخلاف صغرى وكبرى، وأما قوله بزيادة من فكأنه يظن أن من إذا كانت زائدة كان الجر بالإضافة أو كانت الإضافة باقية وهذا لا وجه له وإنما الجر بحرف الجر لأن حروف الجر لا تعلق وأما زيادة حرف الجر بين المتضايفين فلم بقل به إلا في مثل لا أبا لك على شذوذ وليس هذا منه ولا يريد الأخفش بقوله ان من تزاد في الواجب ما أراد ابن أبي الحديد» ومثله قول العروضيين فاصلة صغرى وفاصلة كبرى أي صغيرة وكبيرة لا يريدون التفضيل وانما يريدون الاسم وقول أبي تمام يصف الربيع:
| دنيا معاش للورى حتى إذا | حل الربيع فإنما هي منظر |