تمهيد حول قصة موسى والخضر.
- موسى هو كليم الله، وهو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل، صاحب المعجزات الظاهرة، والشريعة الباهرة.
- فتى موسى : هو يوشع ابن نون ابن أفرائيم ابن يوسف عليه السلام، وقد كان يخدمه ويتعلم منه.
- الخضر : بفتح الخاء وكسرها، وكسر الضاد وسكونها، لقب لصاحب موسى ؛ قيل : إنه كان نبيا، وقيل : كان عبدا صالحا وقيل : وليا.
- مجمع البحرين : هو المكان الذي يجتمع فيه البحران ويصيران بحرا واحدا وفيه ثلاثة آراء :
١- عند ملتقى بحري فارس والروم، ( ملتقى المحيط الهندي والبحر الأحمر عند باب المندب ).
٢- عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الأطلسي عند مضيق جبل طارق أمام طنجة.
٣- قال برهان الديني البقاعي في تفسير :( نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ) : إن سياق القصة يفيد : أن الأرض كانت رملا لا علاقة فيها، فالظاهر والله أعلم أنها مجمع النيل والملح عند دمياط أو رشيد من بلاد مصر.
- في القصة بيان التواضع في طلب العلم وتحمل المشقات في سبيله، وفيه دليل على أن التواضع خير من التكبر، وفيها رد على أغنياء مكة الذين أنفوا من مجالسة فقراء المسلمين.
قصة موسى والخضر كما في الصحيحين
عن أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن موسى كان خطيبا في بني إسرائيل فسئل : أي الناس أعلم ؟ فقال : أنا ؛ فعتب الله عز وجل عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه : أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى : يا رب فكيف لي به ؟ قال : تأخذ حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت ؛ فهو ثمّ، فنطلق موسى : ومعه فتاه ( يوشع بن نون ) حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه : آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا . قال : ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به ؛ فقال فتاه : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا . قال : فكان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا فقال موسى : ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا ، قال : رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا هو مسجّى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر : وأنّى بأرضك السلام٤٤ ! من أنت ؟ قال : أنا موسى، قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم أتيتك ؛ لتعلمني مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا . قال يا موسى إني على علم من علم الله لا تعلمه علّمنيه، وأنت على علم من علم الله علّمكه لا أعلمه، فقال موسى : ستجدني إنشاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا . فقال له الخضر : قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا . فانطلقا يمشيان على الساحل فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نوْل- أي : بدون أجر- فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى : قوم قد حملونا بغير نوْل عمدت إلى سفينتهم فخرقتها ؛ لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكانت الأولى من موسى نسيانا، وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة ؛ فقال له الخضر : ما علمي وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله، فقال له موسى : أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا . قال : ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا . قال سفيان : وهذه أشد من الأولى قال : إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا . فانطلقا، حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجد فيها جدار يريد أن ينقض... فقال الخضر بيده هكذا- أي : أشار بيده- فأقامه فقال موسى : قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا لو شئت لتخذت عليه أجرا . قال الخضر :{ هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا{. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص الله علينا من أخبارهما٤٥ ! أخرجه الشيخان.
تنبيه :
قال العلامة القرطبي : كرامات الأنبياء ثابتة على ما دلت عليه الأخبار والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق الحائد، فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف، والصيفية في الشتاء، وما ظهر على يدها حيث هزت النخلة وكانت يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبية، ويدل أيضا ما ظهر على يد الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار. ١ هـ. ٤٦.
المفردات :
لا ترهقني : لا تحملني ولا تكلفني مشقة.
العسر : ضد اليسر وهو المشقة.
التفسير :
٧٣- قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا .
كانت الأولى من موسى نسيانا ؛ لذلك قال للخضر : لا تؤاخذني بما نسيت، وغفلت عن التسليم لك، وترك الإنكار عليك، ولا تكلفني مشقة، ولا تضيّق علي في أمري، ولا تعسّر علي متابعتك، بل يسرها بالإغضاء وترك المناقشة.
ثم إن طبيعة موسى طبيعة انفعالية اندفاعية، كما يظهر من تصرفاته في كل أدوار حياته، ومن ثم لم يصبر على خرق السفينة، ولم يستطع الوفاء بوعده الذي قطعه، أمام غرابة الموضوع، وأنكر على الخضر خرق السفينة في وسط البحر ؛ ومن ثم اندفع الخضر في هدوء يذكره بالوعد السابق، فاعتذر موسى بنسيانه وقبل الخضر اعتذاره. ٤٧.
تحدثنا عن قصة موسى والخضر في الجزء الخامس عشر، وللقصة بقية في بداية الجزء السادس عشر، وتفيد هذه البقية : أن الخضر أعلن فراق موسى عليه السلام، ثم شرح له أسباب الأعمال الثالثة على النحو الآتي :
١- السفينة التي خرقها الخضر عليه السلام، كانت ملكا لمساكين يعملون في البحر، ويتكسبون منها، وهناك ملك ظالم يغتصب كل سفينة كاملة صالحة ؛ فعمد الخضر أن يحدث بها عيبا، ويساهم الجميع في سد الخرق، ثم يتركها الملك ؛ لأنها معيبة.
٢- الغلام الذي قتله الخضر، كان سينشأ كافرا فاجرا، ، وقد روى الإمام مسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش ؛ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا٤٨.
فهذا العمل مؤلم في الظاهر، لكن الله أراد بالوالدين خيرا ؛ فقبض الغلام إلى جواره، وعوضهما ذرية صالحة، فيها الرحمة والرأفة والطهارة ومكارم الأخلاق.
٣- القرية البخيلة اللئيمة، كان بها جدار متداع وتحته كنز من مال، ولو وقع الجدار ؛ لتبدد الكنز، وقد أصلحه الخضر بأمر الله ؛ حتى يكبر اليتيمين ويستخرجا كنزهما رحمة من الله وفضلا، وإكراما للرجل الصالح في ذريته.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد أشرف الكائنات، وآخر دعوانا : أن الحمد لله رب العالمين.
تم بحمد الله تفسير الجزء الخامس عشر ويلي تفسير الجزء السادس عشر إن شاء الله.
تفسير القرآن الكريم
شحاته