ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

المهد فراش الطفل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:نقل عن وهب بن منبه قال : أنساها ـ يعني مريم ـ كرب البلاء، وخوف الناس ما كانت تسمع من الملائكة من البشارة بعيسى، حتى إذا كلمها ـ يعني عيسى ـ وجاءها مصداق ما كان الله وعدها ـ كأنما يشير إلى وعده تعالى إياها إذ بشرتها الملائكة الكرام بقوله تبارك اسمه :{.. يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ) ؛ سورة آل عمران. من الآية٤٥ ؛ والآية٤٦.

-
لما اطمأنت إلى أن الله تعالى سيدفع عنها وعن ولدها حملته ثم أقبلت يصاحبها وليدها ؛ والباء في به للمصاحبة ؛ يقول ابن جرير ما حاصله : لما قال عيسى لأمه ما قال اطمأنت نفسها، وسلمت لأمر الله، وحملته حتى أتت به قومها. ا هـ قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا ؛ لما رأوها ومعها الصبي حزنوا وأنكروا عليها أن تجيء بطفل وليست بذات زوج ؛ فمن كان منهم يقول ذلك متعجبا فهو يعني بالفري الأمر الجديد القاطع للعادة ؛ والمتطاولون يريدون التعيير والذم، ويقصدون بالافتراء الزنى، إذ ولد الزنى كالشيء المفترى ؛ قال الله تعالى :{.. ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن.. )١ : أي بولد يقصد إلحاقه بمن ليس منه.
مما أورد النيسابوري : ويحتمل أن يراد أنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخا، ويؤكده قوله : يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا اهـ. نقل عن السدي ووهب بن منبه قولهما : لما أتت به قومها تحمله تسامع بذلك بنو إسرائيل، فاجتمع رجالهم ونساؤهم، فمدت امرأة يدها إليها لتضربها، فأجف الله شطرها، فحملت كذلك ؛ وقال آخر : ما أراها إلا زنت فأخرسه الله تعالى ؛ فتحامى الناس من أن يضربوها، أو يقولوا لها كلمة تؤذيها، وجعلوا يخفضون إليها القول ويلينون، فقالوا :.. يا مريم لقد جئت شيئا فريا أي عظيما ؛ ـ واختلف الناس في معنى الأخوة ومن هارون ؟ فقيل : هو هارون أخو موسى، والمراد : من كنا نظنها مثل هارون في العبادة تأتي بمثل هذا ؟ !.. كانت مريم من ولد هارون أخي موسى فنسبت إليه بالأخوة لأنها من ولده ؛ كما يقال للتميمي : يا أخا تميم... ومنه قوله عليه الصلاة والسلام :" إن أخا صداء٢ قد أذن فمن أذن فهو يقيم " ـ٣ ؛ وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة قال : لما قدمت نجران سألوني فقالوا : إنكم تقرءون : يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا. فلما قدمت على رسول الله سألته عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم :" إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم " ؛ وعلى هذا فقد يكون في زمن مريم من تسمى بهذا الاسم، بل نقل عن الكلبي٤ : هو أخ لها من أبيها.
فأشارت إليه التزمت مريم عليها السلام ما وصاها به المولى سبحانه، فلم تكلم أحدا ؛ وأشارت إليه أن كلموه ؛ ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت بـ إني نذرت للرحمن صوما وإنما ورد بأنها أشارت، فيقوى بهذا قول من قال إن أمرها بـ قولي إنما أريد به الإشارة ؛ ويروى أنها لما أشارت إلى الطفل قالوا : استخفافها بنا أشد علينا من زناها، ثم قالوا على جهة التقرير : كيف نكلم من كان في المهد صبيا ؛ فكأن المعنى : من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه ! ! و كان في هذه الآية الكريمة قد تعني التمام فليست تحتاج إلى خبر ؛ كالتي في قول الله تعالى :{.. هل كنت إلا بشرا رسولا )٥ ؛ أي : هل أنا إلا بشر رسول ؟ ! وهل وجدت وبعثت إلا وأنا بشر رسول ؟ ! والماضي قد يذكر بمعنى المستقبل في الجزاء، كقوله تعالى :{ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار.. )٦ ؛ أي : إن شاء يجعل.
قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا. وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا. وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا. والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا تكلم عيسى عليه السلام بمنهاج صدق اليقين، واستقامة الشرعة، فبدأ بالإقرار بالعبودية، وتمجيد وتوحيد مقام الألوهية، وبشر بما سيمنحه مولاه من الحكمة والنبوة، ومن الخير الكثير ومداومة العبادة، والبر وحسن الخلق، والأمان يفيضه عليه حين يولد، وحين يموت، وحين يبعث، ومن أمنه الله تعالى في هذه المواطن فلا يخاف ولا يحزن ؛ ـ وفيه رد على من يزعم ربوبيته، وفي جميع ما قال تنبيه على براءة أمه لدلالته على الاصطفاء، والله سبحانه أجل من أن يصطفي ولد الزنا، وذلك من المسلمات عندهم، وفيه من إحلال أمه عليهما السلام ما ليس في التصريح، وقيل لأنه تعالى لا يخص بولد موصوف بما ذكر إلا مبرأة مصطفاة ؛ واختلف في أنه بعد أن تكلم بما ذكر هل بقي يتكلم كعادة الرجال، أو لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان ؟ ؛ وعده عليه السلام في عداد الذين تكلموا في المهد ثم لم يتكلموا إلى وقت العادة ظاهر في الثاني ـ٧. [ وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين : إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لاشتهرت وتواترت، مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه، وأيضا اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته ؛ وأجاب المسلمون من حيث العقل أنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري كلامه قليلون فلذلك لم يبلغ مبلغ التواتر، ولعل اليهود لم يحضروا هناك فلذلك لم يشتغلوا وقتئذ بدفعه ؛ والله أعلم ]٨.
عن عكرمة في قول الله :.. إني عبد الله آتاني الكتاب.. قال : قضى أن يؤتيني الكتاب ؛ وعن مجاهد : قوله : وجعلني مباركا أينما كنت.. قال : معلما للخير حيثما كنت ؛ وعن بعض أهل العلم قال : لا تجد عاقا إلا وجدته جبارا شقيا، ثم قرأ : وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا قال : ولا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالا فخورا، ثم قرأ :{.. وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا )٩ ؛ مما يقول علماء الأحكام ؛ ودلت هذه الآية على أن الصلاة والزكاة وبر الوالدين كان واجبا على الأمم السالفة، والقرون الخالية الماضية، فهو مما يثبت حكمه، ولم ينسخ في شريعة أمره


فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير