فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ أي إلى عيسى، وإنما اكتفت بالإشارة ولم تأمره بالنطق، لأنها نذرت للرحمن صوماً عن الكلام كما تقدّم، هذا على تقدير أنها كانت إذ ذاك في أيام نذرها، وعلى تقدير أنها قد خرجت من أيام نذرها، فيمكن أن يقال : إن اقتصارها على الإشارة للمبالغة في إظهار الآية العظيمة، وأن هذا المولود يفهم الإشارة ويقدر على العبارة قَالُوا كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً هذا الاستفهام للإنكار والتعجب من إشارتها إلى ذلك المولود بأن يكلمهم. قال أبو عبيدة : في الكلام حشو زائد. والمعنى : كيف نكلم صبياً في المهد كقول الشاعر :
وجيران لنا كانوا كرام ***. . .
وقال الزجاج : الأجود أن تكون من في معنى الشرط والجزاء، والمعنى : من يكون في المهد صبياً فكيف نكلمه. ورجحه ابن الأنباري وقال : لا يجوز أن يقال : إن كان زائدة وقد نصبت صبياً ، ويجاب عنه بأن القائل بزيادتها يجعل الناصب له الفعل، وهو نكلم كما سبق تقديره. وقيل : إن كان هنا هي التامة التي بمعنى الحدوث والوجود. وردّ بأنها لو كانت تامة لاستغنت عن الخبر، والمهد هو : شيء معروف يتخذ لتنويم الصبي. والمعنى : كيف نكلم من سبيله أن ينوّم في المهد لصغره. وقيل : هو هنا حجر الأمّ. وقيل : سرير كالمهد.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس قال : كان عيسى قد درس الإنجيل وأحكامها في بطن أمه، فذلك قوله : إِنّي عَبْدُ الله آتَانِي الكتاب . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله : آتاني الكتاب الآية، قال : قضى أن أكون كذلك. وأخرج الإسماعيلي في معجمه، وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه وابن النجار عن أبي هريرة قال :( قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في قول عيسى : وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ قال :( وجعلني نفاعاً للناس أينما اتجهت ) وأخرج ابن عديّ وابن عساكر عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله : وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً قال : معلماً ومؤدّباً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً يقول : عصياً.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني