ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ

كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ عَذَابَ الدُّنْيَا فَالْإِشْكَالُ سَاقِطٌ. وَثَانِيهَا: أَنْ يُحْمَلَ الْعَذَابُ عَلَى الْخِذْلَانِ أَيْ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ خِذْلَانُ اللَّهِ فَتَصِيرَ مُوَالِيًا لِلشَّيْطَانِ وَيَبْرَأَ اللَّهُ مِنْكَ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً [النِّسَاءِ: ١١٩]. وَثَالِثُهَا: وَلِيًّا أَيْ تَالِيًا لِلشَّيْطَانِ، تَلِيهِ كَمَا يُسَمَّى الْمَطَرُ الَّذِي يَأْتِي تَالِيًا وَلِيًّا فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ وِلَايَةُ الشَّيْطَانِ أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْعَذَابِ نَفْسِهِ وَأَعْظَمَ، فَمَا السَّبَبُ لِذَلِكَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ رِضْوَانَ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى مَا قَالَ: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التَّوْبَةِ: ٧٢] فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ وِلَايَةُ الشَّيْطَانِ الَّتِي هِيَ فِي مُقَابَلَةِ رِضْوَانِ اللَّهِ أَكْبَرَ مِنَ الْعَذَابِ نَفْسِهِ وَأَعْظَمَ. وَاعْلَمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَتَّبَ هَذَا الْكَلَامَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ لِأَنَّهُ نَبَّهَ أَوَّلًا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِاتِّبَاعِهِ فِي النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَتَرْكِ التَّقْلِيدِ ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ الشَّيْطَانِ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي الْعُقُولِ ثُمَّ خَتَمَ الْكَلَامَ بِالْوَعِيدِ الزَّاجِرِ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي ثُمَّ إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ الْحَسَنَ مَقْرُونًا بِاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي مقدمة كل كلام يا أَبَتِ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ الْحُبِّ وَالرَّغْبَةِ فِي صَوْنِهِ عَنِ الْعِقَابِ وَإِرْشَادِهِ إِلَى الصَّوَابِ، وَخَتَمَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ/ إِنِّي أَخافُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِمَصَالِحِهِ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَضَاءً لِحَقِّ الْأُبُوَّةِ عَلَى مَا قَالَ تعالى:
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء: ٢٣] وَالْإِرْشَادُ إِلَى الدِّينِ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، فَإِذَا انْضَافَ إِلَيْهِ رِعَايَةُ الْأَدَبِ وَالرِّفْقِ كَانَ ذَلِكَ نُورًا عَلَى نُورٍ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْهَادِيَ إِلَى الْحَقِّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ رَفِيقًا لَطِيفًا يُورِدُ الْكَلَامَ لَا عَلَى سَبِيلِ الْعُنْفِ لِأَنَّ إِيرَادَهُ عَلَى سَبِيلِ الْعُنْفِ يَصِيرُ كَالسَّبَبِ فِي إِعْرَاضِ الْمُسْتَمِعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ سَعْيًا فِي الْإِغْوَاءِ. وَثَالِثُهَا: مَا
رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّكَ خَلِيلِي فَحَسِّنْ خُلُقَكَ وَلَوْ مَعَ الْكُفَّارِ تَدْخُلْ مَدَاخِلَ الْأَبْرَارِ فَإِنَّ كَلِمَتِي سَبَقَتْ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ أَنْ أُظِلَّهُ تَحْتَ عَرْشِي وَأَنْ أُسْكِنَهُ حَظِيرَةَ قُدْسِي وأدنيه من جواري»
والله أعلم.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٤٦ الى ٤٨]
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)
[في قوله تعالى قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ] اعْلَمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا دَعَا أَبَاهُ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَذَكَرَ الدَّلَالَةَ عَلَى فَسَادِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَأَرْدَفَ تِلْكَ الدَّلَالَةَ بِالْوَعْظِ الْبَلِيغِ، وَأَوْرَدَ كُلَّ ذَلِكَ مَقْرُونًا بِاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ، قَابَلَهُ أَبُوهُ بِجَوَابٍ يُضَادُّ ذَلِكَ، فَقَابَلَ حُجَّتَهُ بِالتَّقْلِيدِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي مُقَابَلَةِ حُجَّتِهِ إِلَّا قوله: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ فَأَصَرَّ عَلَى ادِّعَاءِ إِلَهِيَّتِهَا جَهْلًا وَتَقْلِيدًا وَقَابَلَ وَعْظَهُ بِالسَّفَاهَةِ حَيْثُ هَدَّدَهُ بِالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ، وَقَابَلَ رفقه في قوله: يا أَبَتِ [مريم: ٤٤] بِالْعُنْفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ لَهُ يَا بُنَيَّ بل قال: يا إِبْراهِيمُ وَإِنَّمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُخَفِّفَ عَلَى قَلْبِهِ مَا كَانَ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ فَيَعْلَمَ أَنَّ الْجُهَّالَ مُنْذُ كَانُوا عَلَى هَذِهِ السِّيرَةِ الْمَذْمُومَةِ، أَمَّا قَوْلُهُ: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْهَامِ فَهُوَ خِذْلَانٌ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ مِنْهُ مَا تَكَرَّرَ مِنْهُ مِنْ وَعْظِهِ وَتَنْبِيهِهِ عَلَى الدَّلَالَةِ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ رَاغِبٌ عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ رَغْبَةٍ فَمَا فَائِدَةُ هَذَا الْقَوْلِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ فَأَيُّ تَعَجُّبٍ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ حُجَّةٍ لَا فَائِدَةَ فِيهَا، وَإِنَّمَا التَّعَجُّبُ كُلُّهُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى عِبَادَتِهَا فَإِنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا أَنَّهُ يُبْطِلُ جَوَازَ عِبَادَتِهَا فَهُوَ يُفِيدُ التَّعَجُّبَ مِنْ أَنَّ الْعَاقِلَ كَيْفَ يَرْضَى بِعِبَادَتِهَا

صفحة رقم 545

فَكَأَنَّ أَبَاهُ قَابَلَ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ الظَّاهِرَ الْمَبْنِيَّ عَلَى الدَّلِيلِ بِتَعَجُّبٍ/ فَاسِدٍ غَيْرِ مَبْنِيٍّ عَلَى دَلِيلٍ وَشُبْهَةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا التَّعَجُّبَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهُ، أَمَّا قَوْلُهُ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الأولى: في الرجم هاهنا قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ الرَّجْمُ بِاللِّسَانِ، وَهُوَ الشَّتْمُ وَالذَّمُّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ [النُّورِ: ٤] أَيْ بِالشَّتْمِ، وَمِنْهُ الرَّجِيمُ، أَيِ الْمَرْمِيُّ بِاللَّعْنِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الرَّجْمُ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ بِمَعْنَى الشَّتْمِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ الرَّجْمُ بِالْيَدِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أَحَدُهَا: لَأَرْجُمَنَّكَ بِإِظْهَارِ أَمْرِكَ لِلنَّاسِ لِيَرْجُمُوكَ وَيَقْتُلُوكَ. وَثَانِيهَا: لَأَرْجُمَنَّكَ بِالْحِجَارَةِ لِتَتَبَاعَدَ عَنِّي. وَثَالِثُهَا: عَنِ الْمُؤَرِّجِ لَأَقْتُلَنَّكَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وَرَابِعُهَا: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ لَأَرْجُمَنَّكَ الْمُرَادُ مِنْهُ الرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ اتِّسَاعًا، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الطَّرْدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الرَّجْمِ هُوَ الرَّمْيُ بِالرِّجَامِ فَحَمْلُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى، فَإِنْ قِيلَ: أَفَمَا يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرَّجْمُ بِالشَّتْمِ؟
قُلْنَا: لَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ هَدَّدَهُ بِالرَّجْمِ إِنْ بَقِيَ عَلَى قُرْبِهِ مِنْهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْعَدَ هَرَبًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ:
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمُرَادُ وَاهْجُرْنِي بِالْقَوْلِ. وَالثَّانِي:
بِالْمُفَارَقَةِ فِي الدَّارِ وَالْبَلَدِ وَهِيَ هِجْرَةُ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ أَيْ تَبَاعَدْ عَنِّي لِكَيْ لَا أَرَاكَ وَهَذَا الثَّانِي أَقْرَبُ إِلَى الظَّاهِرِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي قَوْلِهِ: مَلِيًّا قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: مَلِيًّا أَيْ مُدَّةً بَعِيدَةً مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ أَتَى عَلَى فُلَانٍ مَلَاوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ أَيْ زَمَانٌ بَعِيدٌ. وَالثَّانِي: مَلِيًّا بِالذَّهَابِ عَنِّي وَالْهِجْرَانِ قَبْلَ أَنْ أُثْخِنَكَ بِالضَّرْبِ حَتَّى لَا تَقْدِرَ أَنْ تَبْرَحَ يُقَالُ فُلَانٌ مَلِيٌّ بِكَذَا إِذَا كَانَ مُطِيقًا لَهُ مُضْطَلِعًا بِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: عَطَفَ اهْجُرْنِي عَلَى مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَأَرْجُمَنَّكَ، أَيْ فَاحْذَرْنِي وَاهْجُرْنِي لِئَلَّا أَرْجُمَنَّكَ، ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ ذَلِكَ أَجَابَ عَنْ أَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَعَدَهُ التَّبَاعُدَ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَاهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالتَّبَاعُدِ أَظْهَرَ الِانْقِيَادَ لِذَلِكَ الْأَمْرِ وَقَوْلُهُ: سَلامٌ عَلَيْكَ تَوَادُعٌ وَمُتَارَكَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: ٥٥]، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: ٦٣] وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُتَارَكَةِ الْمَنْصُوحِ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُ اللَّجَاجُ، وَعَلَى أَنَّهُ تَحْسُنُ مُقَابَلَةُ الْإِسَاءَةِ بِالْإِحْسَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَعَا لَهُ بِالسَّلَامَةِ اسْتِمَالَةً لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَعَدَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا وَدَّعَ أَبَاهُ بِقَوْلِهِ: سَلامٌ عَلَيْكَ ضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مَا دَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ بَعُدَ عَنْهُ فَإِشْفَاقُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ وَهُوَ قَوْلُهُ: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ طَعَنَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ اسْتَغْفَرَ لِأَبِيهِ وَهُوَ كَافِرٌ وَالِاسْتِغْفَارُ لِلْكَافِرِ لَا يَجُوزُ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ، إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ اسْتَغْفَرَ لِأَبِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ: سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي وَقَوْلِهِ: وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [الشُّعَرَاءِ: ٨٦] وَأَمَّا أَنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا فَذَاكَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ/ وَبِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْكَافِرِ لَا يَجُوزُ فَلِوَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التَّوْبَةِ: ١١٣]. الثَّانِي: قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ- إِلَى قَوْلِهِ- لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الْمُمْتَحَنَةِ: ٤] وَأَمَرَ النَّاسَ إِلَّا فِي هَذَا الْفِعْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ معصية

صفحة رقم 546

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية