ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ

اعتزل : ترك صحبة إلى خير منها ولو في اعتقاده، وهنا يلفتنا الحق سبحانه إلى أن الإنسان حين يجادل في قضية، ويرى عند خصمه لدداً وعناداً في الباطل، لا يطيل معه الكلام حتى لا يؤصل فيه العناد، ويدعوه إلى كبرياء الغلبة ولو بالباطل.
لذلك، فالحق تبارك وتعالى يعلم المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أرادوا البحث في أمره صدقاً أو كذباً والعياذ بالله، أن يبحثوه مثنى أو فرادى، ولا يبحثوه بحثاً جماهيرياً غوغائياً ؛ لأن العمل الغوغائي بعيد عن الموضعية يستتر فيه الواحد في الجماعة، وقد يحدث ما لا تحمد عقباه ولا يعرفه أحد.
والغوغائية لا يحكمها عقل ولا منطق، والجمهور كما يقولون : عقله في أذنه. وسبق أن قلنا : إن كليوباترا حين هزمت وحليفها صوروا هذه الهزيمة على أنها نصر، كما حدث كثيراً على مر التاريخ، وفيها يقول الشاعر :
أسمع الشعب ديون ملأ الجو هتافاً أثر البهتان فيه يا له من ببغاءٍ كيف يوحون إليه بحياتي قاتليه وانطلى الزور عليه عقله في أذنيه
إذن : فالجمهرة لا تبدي رأياً، ولا تصل إلى صواب. يقول الحق سبحانه للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنةٍ.. " ٤٦ " ( سورة سبأ ) : فبحث مثل هذا الأمر يحتاج إلى فردين يتبادلان النظر والفكر والدليل ويتقصيان المسألة، فإن تغلب أحدهما على الآخر كان الأمر بينهما دون ثالث يمكن أن يشمت في المغلوب، أو يبحثه فرد واحد بينه وبين نفسه فينظر في شخص رسول الله، وما هو عليه من أدب وخلق، وكيف يكون مع هذا مجنوناً ؟ وهل رأينا عليه أمارات الجنون ؟ والذين قالوا عنه : ساحر لماذا لم يسحرهم كما سحر التابعين له ؟
إذن : لو أدار الشخص الواحد هذه الحقائق على ذهنه، واستعرض الآراء المختلفة لاهتدى وحده إلى الصواب، فالاعتزال أمر مطلوب إن وجد الإنسان البيئة غير صالحة لنقاش الباطل مع الحق حتى لا نؤصل الجدل والعناد في نفس الخصم.
لذلك يقول تعالى :
إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها.. " ٩٧ " ( سورة النساء ) : أي : كانت الفرصة أمامكم لتتركوا هذه البقعة إلى غيرها من أرض الله الواسعة، وكأن الحق تبارك وتعالى يلفت نظرنا إلى أن الأرض كلها أرض الله، فأرض الله الواسعة ليست هي مصر أو سوريا أو ألمانيا، بل الأرض كلها بلا حواجز هي أرض الله، فمن ضاق به مكان ذهب إلى غيره لا يمنعه مانع، وهل يوجد هذا الآن ؟ هل تستطيع أن تخترق هذه الحواجز ودونها نظم وقوانين ما أنزل الله بها من سلطان.
لذلك يقول الحق تبارك وتعالى : والأرض وضعها للأنام " ١٠ " ( سورة الرحمن ) :
أي : الأرض لك الأرض للأنام كل الأنام وهذا من المبادئ التي جعلها الخالق سبحانه للإنسانية، فلما استحدث الإنسان الحواجز والحدود، وأقام الأسوار والأسلاك ومنع الأنام من الحركة في أرض الله نشأ في الكون فساد كبير، فإن ضاق بك موضع لا تجد بديلاً عنه في غيره، وإن عشت في بيئة غير مستقيمة التكوين كتب عليك أن تشقى بها طوال حياتك.
وقلنا : إن هذه الحدود وتلك الحواجز أفرزت أرضاً بلا رجال، ورجالاً بلا أرض، ولو تكاملت هذه الطاقات لاستقامت الدنيا. ومسألة الاعتزال هذه، أو الهجرة من أرض الباطل، أو من بيئة لا ينتصر فيها الحق وردت في نصوص عدة بالنسبة لسيدنا إبراهيم عليه السلام منها قوله تعالى :
قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين " ٦٨ " قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " ٦٩ " وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين " ٧٠ " ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين " ٧١ " ( سورة الأنبياء ).
فترك إبراهيم الأرض التي استعصت على منهج الله إلى أرض أخرى، وهاجر بدعوته إلى بيئة صالحة لها من أرض الشام.
نعود إلى اعتزال إبراهيم عليه السلام للقوم، لا لطلب الرزق وسعة العيش، بل الاعتزال من أجل الله وفي سبيل مبدأ إيماني يدعو إليه : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر.. " ٤٢ " ( سورة مريم ).
يا أبت لا تعبد الشيطان.. " ٤٤ " ( سورة مريم ) : والقياس يقتضي أن يقول : وأعتزلكم وما تعبدون.. وأدعو ربي. أي : أعبده، إلا أنه عدل عن العبادة هنا وقال : واعتزلكم وما تدعون.. " ٤٨ " ( سورة مريم ).
فلماذا ؟.
قالوا : لأن الإنسان لا ينصرف عن ربه وعن وحدانيته تعالى إلا حين يستغني، فإن ألجأته الأحداث واضطرته الظروف لا يجد ملجأ إلا إلى الله فيدعو. إذن : فالعبادة ستصل قطعاً إلى الدعاء، ومادمت ستضطر إلى الدعاء فليكن من بداية الأمر : واعتزلكم وما تدعون من دعون الله.. " ٤٨ " ( سورة مريم ).
إذن : استخدم الدعاء بدل العبادة ؛ لأنني أعبد الله في الرخاء فإن حدثت لي شدة لا أجد إلا هو أدعوه. وقوله : وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً " ٤٨ " ( سورة مريم ) : أي : عسى ألا أكون شقياً بسبب دعائي لربي ؛ لأنه تبارك وتعالى لا يشقى من عبده ودعاه، فإن أردت المقابل فقل : الشقي من لا يعبد الله ولا يدعوه.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير