ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ

الربع الأخير من الحزب الواحد والثلاثين في المصحف الكريم
سبق في الرابع الماضي في معرض الحديث عن سيرة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام قوله تعالى : وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة ، كما سبق في نفس الربع، حكاية على لسان عيسى ابن مريم عليهما السلام قوله تعالى : وأوصيني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ، وفي آية أخرى سابقة من كتاب الله يقول الله تعالى : وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود [ البقرة : ١٢٥ ].
وسبق في سورة البقرة، خطابا لبني إسرائيل، قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، واركعوا مع الراكعين [ الآية : ٤٣ ]، وقوله تعالى فيها خطابا لهم أيضا : واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [ الآية : ٤٥ ] وسبق في سورة آل عمران قوله تعالى في شأن زكريا عليه السلام : فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب [ الآية : ٣٩ ].
وبهذه الآيات وما شابهها يتبين أن ( الصلاة والزكاة ) شعيرتان قديمتان من شعائر الدين، التي أوحى الله بها إلى عدد من الأنبياء والرسل السابقين، نظير ( الحج ) الذي دعا إليه إبراهيم الخليل، امتثالا لأمر الله تعالى الوارد في كتابه العزيز، إذ قال مخاطبا له : وأذن في الناس بالحج يأتونك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات [ الحج : ٢٧ ٢٨ ]، ونظير ( الصيام ) الذي ورد في شأنه قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياما معدودات [ البقرة : ١٨٣، ١٨٤ ].
وبناء على ذلك تكون شعائر الإسلام وأركانه الأربعة المتفرعة عن ( الإيمان ) الذي هو القاسم المشترك بين كافة الأنبياء والرسل كلها ذات أصل واحد، ولها جذر عريقة في القدم، على حد قوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [ الشورى : ١٣ ]، والإسلام إنما أحياها وجدد معالمها، وأصلح منها ما أفسدته الأهواء والشهوات، ونفى عنها ما دخل عليها من الجهالات والضلالات، وقد أدرك الإسلام عرب الجاهلية وهم يمارسون الحج والصيام والصلاة بالمفهوم الجاهلي الذي آل إليه أمر هذه العبادات عندهم، وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية [ الأنفال : ٤٥ ] وكانت بداية إصلاح ما فسد منها، وتنقيتها من الشوائب، في التشريع المكي على وجه الإجمال، ثم بلغ أمر تنقيتها وتهذيبها وتجديد نظمها في التشريع المدني حد الكمال، مصداقا لقوله تعالى في آخر عهد الرسالة : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [ المائدة : ٣ ].
وعلى ضوء هذا التحليل ننتقل إلى أول آية في هذا الربع وهي قوله تعالى : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، فقد كان الحديث في الآية قبلها عن الذين أنعم الله عليهم من النبيئين السابقين من ذرية آدم وذرية إبراهيم وإسرائيل، ومن ذرية الذين حملهم نوح معه في السفينة وبذلك يكون الضمير في قوله تعالى هنا فخلف من بعدهم خلف عائدا على أولئك النبيئين السابقين الذين كانوا يصلون ويأمرون الناس بالصلاة، حتى إذا جاءت الأجيال اللاحقة من بعدهم لم تهتد بهديهم في طاعة الله وتقواه، بل أقبلت على الشهوات وقطعت صلتها مع الله، ومن أجل ذلك أطلقت عليهم الآية هنا لفظ ( خلف ) بمعنى أولاد السوء.
ويشهد للتفسير الذي ذهبنا إليه، المبني على ربط هذه الآية بما قبلها، قوله تعالى في سورة البقرة أثناء الحديث عن بني إسرائيل : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة [ الآية : ٨٣ ] مع التعقيب عليه بعد ذلك بقوله تعالى : ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون .
و( الشهوات ) عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه، ويلائمه ولا يتقيه، والمراد بها هنا اللذات والمعاصي، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ). وقوله تعالى : فسوف يلقون غيا أي سيلقون ضلالا وخيبة وخسرانا وهلاكا في جهنم. ولا مانع من إدخال تاركي الصلاة الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولها مضيعون، ممن ينتسبون للإسلام، تحت الوعيد الوارد في هذه الآية، إذ ما جرى على المثل يجري على المماثل، والجرم الذي يرتكب في حق الله تعالى يعاقب عليه صاحبه كيفما كانت الملة التي ينتسب إليها. جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة "، وفي موطأ الإمام مالك عن نافع مولى عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله :( إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ).

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير