الأز : هو الهز الشديد هو الهز الشديد بعنف أي : تزعجهم وتهيجهم، ومثله النزغ في قوله تعالى :
وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله.. " ٢٠٠ " ( سورة الأعراف ) :
والأز أو النزغ يكون بالوسوسة والتسويل ليهيجه على المعصية والشر، كما يأتي هذا المعنى أيضاً بلفظ الطائف، كما في قوله تبارك وتعالى : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " ٢٠١ " ( سورة الأعراف ).
وهذه الآية : ألم تر أنا أرسلنا الشياطين.. " ٨٣ " ( سورة مريم ) :
تثير سؤالاً : إذا كان الحق تبارك وتعالى يكره ما تفعله الشياطين بالإنسان المؤمن أو الكافر، فلماذا أرسلهم الله عليه ؟
أرسل الله الشياطين على الإنسان لمهمة يؤدونها، هذه المهمة هي الابتلاء والاختبار، كما قال تعالى :
أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " ٢ " ( سورة العنكبوت ) :
إذن : فهم يؤدون مهمتهم التي خلقوا من أجلها، فيقفوا للمؤمن ليصرفوه عن الإيمان فيمحص الله المؤمنين بذلك، ويظهر صلابة من يثبت أمام كيد الشيطان.
وقلنا : إن للشيطان تاريخاً مع الإنسان، بداية من آدم عليه السلام حين أبى أن يطيع أمر الله له بالسجود لآدم، فطرده الله تعالى وأبعده من رحمته، فأراد الشيطان أن ينتقم من ذرية آدم بسبب ما ناله من آدم، فقال : فبعزتك لأغوينهم أجمعين " ٨٢ " ( سورة ص ).
وقال : قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم " ١٦ " ( سورة الأعراف ) :
وهكذا أعلن عن منهجه وطريقته، فهو يتربص لأصحاب الاستقامة، أما أصحاب الطريق الأعوج فليسوا في حاجة إلى إضلاله وغوايته. لذلك نراه يتهدد المؤمنين : ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم.. " ١٧ " ( سورة الأعراف ).
ومعلوم أن الجهات ست، يأتي منها الشيطان إلا فوق وتحت ؛ لأنهما مرتبطتان بعز الألوهية من أعلى، وذلك العبودية من أسفل، حين يرفع العبد يديه لله ضارعاً وحين يخر لله ساجداً ؛ لذلك أغلقت دونه هاتان الجهتان ؛ لأنهما جهتا طاعة وعبادة وهو لا يعمل إلا في الغفلة ينتهزها من الإنسان.
والمتأمل في مسألة الشيطان يجد أن هذه المعركة وهذا الصراع ليس بين الشيطان وربه تبارك وتعالى، بل بين الشيطان والإنسان ؛ لأنه حين قال لربه تعالى : فبعزتك لأغوينهم أجمعين " ٨٢ "
( سورة ص ).
التزم الأدب مع الله. فالغواية ليست مهارة مني، ولكن أغويهم بعزتك عن خلقك، وتركك لهم الخيار ليؤمن من يؤمن، ويكفر من يكفر، هذه هي النافذة التي أنفذ منها إليهم، بدليل أنه لا سلطان لي على أهلك وأوليائك الذين تستخلصهم وتصطفيهم :
إلا عبادك منهم المخلصين " ٨٣ " ( سورة ص ).
وهنا أيضاً يثار سؤال : إذا كان الشيطان لا يقعد إلا على الصراط المستقيم ليضل أهله، فلماذا يتعرض للكافر ؟
نقول : لأن الكافر بطبعه وفطرته يميل إلى الإيمان وإلى الصراط المستقيم، وهاهو الكون بآياته أمامه يتأمله، فربما قاده التأمل في كون الله إلى الإيمان بالله ؛ لذلك يقعد له الشيطان على هذا المسلك مسلك الفكر والتأمل ليحول بينه وبين الإيمان بالخالق عز وجل.
فالشيطان ينزغك، إما ليحرك فيك شهوة، أو لينسيك طاعة، كما قال تعالى : وما أنسانيه إلا الشيطان.. " ٦٣ " ( سورة الكهف ).
وقال : وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " ٦٨ " ( سورة الأنعام ).
وكثير من الإخوان يسألون : لماذا في الصلاة بالذات تلح علينا مشاكل الحياة ومشاغل الدنيا ؟
نقول : هذه ظاهرة صحية في الإيمان، لأن الشيطان لولا علمه بأهمية الصلاة، وأنها ستقبل منك ويغفر لك بها الذنوب ما أفسدها عليك، لكن مشكلتنا الحقيقية أننا إذا أعطانا الشيطان طرف الخيط نتبعه ونغفل عن قول ربنا تبارك وتعالى :
وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله.. " ٣٦ " ( سورة فصلت ) :
فما عليك ساعة أن تشعر أنك ستخرج عن خيط العبادة والإقامة بين يدي الله إلا أن تقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، حتى وإن كنت تقرأ القرآن، لك أن تقطع القراءة وتستعيذ بالله منه، وساعة أن يعلم منك الانتباه لكيده وألاعيبه مرة بعد أخرى سينصرف عنك وييأس من الإيقاع بك.
وسبق أن ضربنا لذلك مثلاً باللص ؛ لأنه لا يحوم حول البيت الخرب، إنما يحوم حول البيت العامر، فإذا ما اقترب منه تنبه صاحب البيت وزجره، فإذا به يلوذ بالفرار، وربما قال اللص في نفسه : لعل صاحب البيت صاح مصادفة فيعاود مرة أخرى، لكن صاحب الدار يقظ منتبه، وعندها يفر ولا يعود مرة أخرى.
ويجب أن نعلم أن من حيل الشيطان ومكائده أنه إذا عز عليه إغواؤك في باب، أتاك باب آخر ؛ لأنه يعلم جيداً أن للناس مفاتيح، ولكل منا نقطة ضعف يؤتي من ناحيتها، فمن الناس من لا تستميله بقناطير الذهب، إنما تستميله بكلمة مدح وثناء. وهذا اللعين لديه ( طفاشات )مختلفة باختلاف الشخصيات.
لذلك من السهل عليك أن تميز بين المعصية إن كانت من النفس أم من الشيطان : النفس تقف بك أمام شهوة واحدة تريدها بعينها ولا تقبل سواها، فإن حاولت زحزحتها إلى شهوة أخرى أبت إلا ما تريد، أما الشيطان فإن عزت عليك معصية دعاك إلى غيرها، المهم أن يوقع بك.
فالحق تبارك وتعالى يحذرنا الشيطان ؛ لأنه يحارب في الإنسان فطرته الإيمانية التي تلح عليه بأن للكون خالقاً قادراً، والدليل على الوجود الإلهي دليل فطري لا يحتاج إلى فلسفة، كما قال العربي قديماً : البعرة تدل على البعير، والقدم تدل على المسير.. سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير ؟ !
وكذلك، فكل صاحب صنعة عالم بصنعته وخبير بدقائقها ومواطن العطب فيها، فما بالك بالخالق سبحانه : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " ١٤ " ( سورة الملك ) :
إذن : فالأدلة الإيمانية أدلة فطرية يشترك فيها الفيلسوف وراعي الشاة، بل ربما جاءت الفلسفة فعقدت الأدلة. ولنا وقفة مع قوله تعالى : ألم تر أنا أرسلنا الشياطين.. " ٨٣ " ( سورة مريم ) :
ومعلوم أن عمل الشيطان عمل مستتر، كما قال تعالى : إنه يراكم هو وقبيله من حيل لا ترونهم.. " ٢٧ " ( سورة الأعراف ).
فكيف يخاطب الحق تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة بقوله :
ألم تر.. " ٨٣ " ( سورة مريم ) : هي مسألة لا يراها الإنسان ؟ نقول : ألم تر.. " ٨٣ " ( سورة مريم ) :
بمعنى ألم تعلم ؟ فعدل عن العلم إلى الرؤيا، كما في قوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " ١ " ( سورة الفيل ).
والنبي صلى الله عليه وسلم لم ير هذه الحادثة، فكيف يخاطبه ربه عنها بقوله : ألم تر.. " ١ "
( سورة الفيل ).
ذلك، ليدلك على أن إخبار الله لك أصح من إخبار عينك لك ؛ لن رؤية العين ربما تخدعك، أما إعلام الله فهو صادق لا يخدعك أبداً. فعلمك من إخبار الله لك أولى وأوثق من علمك بحواسك.
والشياطين : جمع شيطان، وهو العاصي من الجن، والجن خلق مقابل للإنسان قال الله عنهم : وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا " ١١ " ( سورة الجن ) :
فمن هم دون الصالحين، هم الشياطين.
تفسير الشعراوي
الشعراوي