ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

تؤزهم أزا تغويهم إغواء، وتستعجلهم استعجالا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الكافرون ضلوا وخسروا، وكل زيغ يسلمهم إلى زيغ، فحين يكذبون بآيات ربنا تضيق صدورهم بالحق، ولا تطمئن قلوبهم إلى رشد :.. وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا )١ ؛ وحين يرتابون في الآخرة يتأنفون عن الخضوع لله العظيم الواحد :{.. فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون )٢ ؛ لكنهم بسفاهتهم وشقوتهم يذعنون لأوهام، وتنشرح صدورهم لتأليه مخلوق أو تقديس أوثان وأصنام :{ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون )٣ ؛ فبينما هم يسخرون من حقيقة البعث والحساب والجزاء، يدعون لله تعالى شركاء، ويزعمون أنها لهم شفعاء، { واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ؛ ما ألهوه متجاوزين به المعبود بحق ـ سبحانه ـ زعموا أنها تنيلهم العز، وتنصرهم من البأس ؛ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ؛ نفي لما ادعوه وظنوه من التعزز بتلك الآلهة المفتراة، وتحقيق لما سيكون من تبرئها منهم ولعنهم يوم يلقون الله ؛ قال ابن زيد ما حاصله : تكون الآلهة تلك عليهم بلاء فتحشر معهم، وتركب لها عقول فتقول : يا رب عذب هؤلاء الذين عبدونا من دونك ؛ وكأنه يشير إلى معنى قول الحق جل ذكره :{.. تبرأنا إليك وما كانوا إيانا يعبدون )٤ ؛ وذلك أن الأصنام جمادات لا تعي العبادة ؛ ومما نقل الألوسي : وينطق الله تعالى من لم يكن ناطقا منها فتقول جميعا : ما عبدتمونا، كما قال سبحانه :{ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون )٥. ا هـ.
وأما من اتخذ معبودا من العقلاء فإنه يكون أشد عليهم عداوة وأكثر لهؤلاء المفتونين لعنا :{ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون. قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون )٦ ؛ وعبدة إبليس أشد تخسيرا وتحسيرا ؛ { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل.. )٧ ؛ وهكذا يكونون عليهم ذلا لا لهم عزا ؛ والضد في كلام العرب هو الخلاف، يقال : فلان يضاد فلانا في كذا إذا كان يخالفه في صنيعه، فيفسد ما أصلحه ويصلح ما أفسده.
ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ، نقل عن ابن عباس : تؤز الكافرين إغراء٨ في الشرك : امض امض في هذا الأمر ! حتى توقعهم في النار، وامضوا في الغي امضوا ؛ ا هـ.
فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا يسلي الله تعالى النبي والأمة لكيلا نعجل على الكفار الفجار الأشرار ـ بأن يهلكوا حسبما تقتضيه جناياتهم، ويبيدوا عن آخرهم، وتطهر الأرض من خباثاتهم ـ٩ ؛ قال الكلبي : آجالهم ؛ يعني الأيام والليالي والشهور والسنين إلى انتهاء أجل العذاب ؛ ابن عباس : أي : نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم ؛ وعنه رضي الله تعالى عنه أنه إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك ؛ وعن ابن السماك أن المأمون قرأ هذه السورة١٠ فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه، فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفذ ؛ ولله تعالى در من قال :

إن الحبيب من الأحباب مختلس لا يمنع الموت بواب ولا حرس
وكيف يفرح بالدنيا ولـذتها *** فتى يعد عليه اللفظ والنفس ؟ !

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير