(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَات)، أي من يقوم بالعمل الصالح في علاقته بربه، فلا يخضع إلا له، ويقوم بالعبادة التي كلفه إياها، وبنفع الناس استجابة لأمر ربه ويحب نفعهم، ويكون كما قال النبي - ﷺ -: " إن يحب الشيء لَا يحبه إلا لله " (١)
فيكون في عبادة دائمة حتى في مأكله ومشربه وملبسه وفي بضعه إذ يفعل ذلك استجابة لله تعالى، وقال تعالى: (وَهُو مُؤْمِنٌ) " الواو " واو الحال، أي والحال أنه مؤمن، فالعمل الصالح لَا يعطى حقه من الجزاء إلا مع الإيمان، لأن معطي الجزاء هو الله تعالى، والإيمان هو الإيمان بالله وكيف يثاب من الله تعالى من لَا يؤمن بالله تعالى، إنه حائر بائر ليس له مقصد في عمله، ولا نية يرتجى الخير بها، وقد قال في الذين كفروا وفعلوا بعض الأمورِ النافعة في الدين: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧).
_________
(١) سبق تخريجه.
وقوله تعالى: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا)، هذا جواب الشرط، ومعناه يعطون أجرهم موفورا غير منقوص (فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) الظلم النقص من العمل أو ثوابه، والهضم معناه الكسر، وقد خاض المفسرون في الفرق بينهما، وحيثما اجتمعا وجب ذكر الفرق؛ لأنه يجب أن يكون لكل معنى خاصا به مؤسسا عليه والتأسيس أولى من التأكيد.
ونقرب الفرق بينهما فنقول: إن الظلم هنا هو النقص من الأعمال التي يستحق عليها الثواب، والزيادة من السيئات انتقاص من الأعمال الصالحة، وأما الهضم فهو ألا تعطى الأعمال حقها فتكسر، كما يكسر الطعام في قلب الهضيم، والله أعلم.
بعد ذلك ذكر الله تعالى القرآن الكريم في مقام بيان الحق والهداية في الحياة الدنيا وكيف بقي محفوظا إلى يوم الدين.
قال تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة