ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟ

الأهداف التي انطوت في هذه الآية. وفي سورة ق آيتان مماثلتان في صيغتهما لصيغتها.
ولقد ذهب بعض المفسرين «١» إلى أن الأوقات التي أمر النبي ﷺ بالتسبيح فيها في الآية [١٣٠] هي أوقات الصلوات المفروضة وأن التسبيح يعني إقامة الصلوات، ومع أن الآية على ما يتبادر لنا هي بسبيل توكيد الاستمرار في ذكر الله وحمده وتسبيحه طيلة أوقات اليقظة فإن ما ذهبوا إليه قد لا يخلو من وجاهة. وقد علقنا على ذلك بما فيه الكفاية في سياق تفسير الآيتين [٣٨، ٣٩] من سورة ق الممائلتين في صيغتهما لهذه الآية.
ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [١٣٠] مدنية. وأسلوبها وانسجامها مع السياق وبروز الطابع المكي عليها في ضمير «يقولون» العائد على الأرجح إلى الكفار موضوع الكلام في الآيات السابقة يسوّغ الشك في الرواية ولا سيما أن الآية التالية لها هي تتمة للموضوع، والطابع المكي بارز عليها كذلك.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣١ الى ١٣٢]
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)
احتوت الآية الأولى أمرا للنبي ﷺ بعدم مدّ عينيه مدّ المستغرب إلى ما يتمتع به بعض فئات من الكفار من متع الحياة الدنيا وزينتها، وتنبيها إلى أن ذلك إنما هو ابتلاء واختبار رباني، وأن رزق الله وما أعده الله له من حسن العاقبة هو خير وأبقى. واحتوت الآية الثانية أمرا للنبي ﷺ كذلك بالمثابرة على الصلاة وأمر أهله بالمثابرة عليها معه وعدم الاهتمام للدنيا وأمر الرزق، وتطمينا ربانيّا بأن الله سبحانه قد كفاه مؤونة ذلك وأن العاقبة مضمونة للذين يتقونه.

(١) انظر تفسيرها في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والخازن.

صفحة رقم 217

وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية الأولى مدنية. وقد روى المفسرون أنها نزلت بمناسبة امتناع يهودي من إسلاف النبي ﷺ مالا كان يريد أن ينفقه في قرى ضيف وفد عليه إلا برهن. مما حزّ في نفسه وجعله يقول لو أسلفني لأديته وإني لأمين في السماء، أمين في الأرض. ثم أرسل درعه رهنا. والرواية لم ترد في كتب الصحاح. وقد يكون الحادث المروي صحيحا. ولكنا نلحظ أن الآية منسجمة مع السياق سبكا وموضوعا. ومعطوفة على ما قبلها. وصلتها بالآية السابقة لها واضحة بحيث يبرر كل هذا الشك في رواية مدنية الآية ورواية نزولها بمناسبة ذلك الحادث. وترجيح مكيتها وصلتها بظروف سيرة النبي ﷺ في العهد المكي. وفي سورة الحجر آية مشابهة لهذه الآية وهي الآية [٨٨] جاءت في سياق مماثل حيث ينطوي في هذا تدعيم لذلك الشك وهذا الترجيح والله أعلم.
والمتبادر أن الآيتين معا تتمة للخطاب الموجه إلى النبي ﷺ في الآية السابقة لهما مباشرة. ويبدو أن النبي ﷺ أو أن المسلمين كانوا أحيانا يتعجبون من إمداد الله زعماء الكفار وأغنياءهم بما يتمتعون به من رفاهة ونعيم وثروات مما هو طبيعي الورود على الخاطر فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في السياق الذي يذكر فيه مصير الكفار ويطلب فيه من النبي ﷺ الصبر على ما يقولون. هاتان الآيتان لتبيين واقع الأمر من هذا الذي يتمتعون به وبث الطمأنينة والرضاء والغبطة في قلب النبي ﷺ والمسلمين بما عند الله تعالى وبالعاقبة المضمونة لهم، وتقرير كون ما يتمتع به الكفار هو من قبيل الاختبار. ولعل زعماء الكفار وأغنياءهم كانوا يتبجحون بما هم فيه من نعيم ورفاهة ويزهون على المسلمين على اعتبار أن الله لو كان ساخطا عليهم كما يقولون لما كان أدام عليهم نعمه فكان ذلك مما يحز في نفوسهم. ولقد ذكر شيء مما كان يدور في أذهان أغنياء الكفار وزعمائهم من مثل ذلك في آيات عديدة منها آيات سورة المؤمنون هذه أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) ولقد تضمنت آية سورة مريم [٧٣] شيئا من هذا على ما شرحناه في سياق تفسيرها قبل هذه السورة. ولقد تكرر التنبيه إلى أن ما يتمتع به الكفار هو من قبيل الاستدراج والإمهال على ما جاء في آيات سورة

صفحة رقم 218

الأعراف [١٨٢، ١٨٣] وآيات سورة القلم [٤٤، ٤٥] وسبق تفسيرها.
تلقينات آية وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ
وتنطوي الآيات على تلقينات جليلة مستمرة المدى لجميع المسلمين ولو أن الخطاب فيها موجه إلى النبي ﷺ لأنه إمامهم وقدوتهم.
فإمكانيات التمتع بالحياة الناعمة المترفة وأسبابها ليست مرتبطة بكفر وإيمان وليست نتيجة ملازمة لأية حالة منهما. والمهم في الحياة طمأنينة النفس وهدوء البال والرضى.
وهذا ما يتحقق للمؤمن المتقي الذي يمنعه إيمانه وتقواه من جعل الدنيا أكبر همّه ويبث في نفسه القناعة والرضاء فيما يتيسر له من أسباب الحياة المشروعة والاعتماد على الله وحده في ذلك، ولزوم حدود الله والقيام بواجباته نحو الله والناس على أتمّ وجه. لا سيما أن الاستغراق في الحياة الدنيا وشهواتها كثيرا ما يسبب الآلام والنكبات ويثير القلق والاضطراب. وفي كل هذا الذي تلهمه الآيات ما فيه من معالجة روحية نافذة.
وقد يكون من تلقيناتها وجوب قصر المسلم طمعه وطموحه عن اكتناز المال الكثير لأجل التباهي والتكاثر والاستمتاع الخاص به وحسب. وقد يؤيد هذا آيات عديدة في سور مكية ومدنية نددت باكتناز المال والاستغراق في حبه، وبخاصة إذا لم يكن لأجل نفع الغير به وإنفاقه في سبيل الله تعالى. وقد مرّ من ذلك أمثلة في سورة الفجر والتكاثر والعاديات، ومن ذلك آيات سورة التوبة هذه وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥).

صفحة رقم 219

تعليق على تحدي الكفار للنبي ﷺ بالإتيان باية وما في الرد القرآني من تلقينات
وهذه أول مرة يحكي القرآن فيها تحدي الكفار للنبي بالإتيان باية أي معجزة بنص صريح ثم تكرر هذا كثيرا.
والذي يتبادر لنا من أسلوب الآية [١٣٣] أنها بسبيل حكاية واقع. وليست بسبيل تسجيل أول تحدّ. وإن أولية الحكاية لا تمنع أن يكون الكفار قد تحدوا النبي ﷺ قبل ذلك. وقد لمحنا ذلك في آية سورة المدثر بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) وعلقنا عليه وعلى تحدي الكفار بالإتيان بالمعجزات. ولقد ردت عليهم الآية متسائلة عما إذا لم يكفهم ما يرونه من تطابق وتوافق بين القرآن الذي يتلى عليهم وما في الكتب المنزلة الأولى من الله على رسله السابقين. وهذا الرد ينطوي من جهة على توكيد لما شرحناه عن موضوع تحدي الكفار بالمعجزات في سورة المدثر ومن جهة على كون الكفار لا ينكرون الله تعالى وعادته في إرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم من جهة، ولا يجهلون أن ما في أيدي أهل الكتاب هو من ذلك من جهة. وبكلمة أخرى إنهم لا ينكرون إرسال الرسل وإنما كانوا ينكرون نبوة النبي ويطلبون البرهان على أنه مرسل من الله تعالى. وجواب القرآن هنا على أسلوب الحكيم. فهم يطلبون معجزة ودليلا والقرآن يقرر أن الدليل والمعجزة فيما احتواه من مبادئ سامية وتطابق هذه المبادئ واتحاد مصدرها مع مبادئ ومصادر الرسالات والكتب السابقة التي يسلم الكفار بها وبمصدريتها الإلهية.
ويهتف بهم إن في ذلك الكفاية لمن أراد الحق والحقيقة لأن الدعوة إلى الله وحده والعمل الصالح والنهي عن الشرك والإثم والفواحش لا يحتاجان إلى معجزة. وهذا الأسلوب تكرر في القرآن كثيرا ردا على الكفار على ما شرحناه في سياق سورة المدثر.
ولقد فهم هذا أصحاب رسول الله على حقيقته فكسبوا وادخروا المال وانتفعوا ونفعوا به وتمتعوا بالطيبات الحلال في الحدود المرسومة في الآيات

صفحة رقم 220

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية