ثم يقول الحق سبحانه : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ( ١٣٢ ) .
هنا يعطينا الحق – تبارك وتعالى – منهجا لإصلاح المجتمع وضمان انسجامه، منهج يبدأ بالوحدة الأولى وهو رب الأسرة، فعليه أن يصلح نفسه أولا، ثم ينظر إلى الوحدة الثانية، وهي الخلية المباشرة له وأقرب الناس إليه وهم أهله وأسرته، فهو مركز الدائرة فإذا أصلح نفسه، فعليه أن يصلح الدوائر الأخرى المباشرة له.
فقوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة.. ( ١٣٢ ) ( طه ) : لتستقيم الوحدة الأولى في بناء الكون، فإذا ما صلحت الوحدة الأولى في بناء الكون، فأمر كل واحد أهله بالصلاة، استقام الكون كله وصلح حال الجميع.
والمسألة هنا لا تقتصر على مجرد الأمر وتنتهي مسئوليته عند هذا الحد إنما واصطبر علها.. ( ١٣٢ ) ( طه ) : لأن في الصلاة مشقة تحتاج إلى صبر، فالصلاة تحتاج إلى وقت تأخذه من حركة الحياة التي هي سبب الخير والنفع لك، فلا بد – إذن – من صبر عليها.
وفرق بين اصبر واصطبر ؛ اصبر الفعل العادي، إنما اصطبر فيها مبالغة أي : تكلف حتى الصبر وتعمده.
ومن ذلك أن تحرص على أداء الصلاة أمام أولادك لترسخ في أذهانهم أهمية الصلاة، فمثلا تدخل البيت فتجد الطعام قد حضر فتقول لأولادك : انتظروني دقائق حتى أصلي، هنا يلتفت الأولاد إلى أن الصلاة أهم حتى من الأكل، وتغرس في نفوسهم مهابة التكليف، واحترام فريضة الصلاة، والحرص على تقديمها على أي عمل مهما كان.
وكان سيدنا عمر – رضي الله عنه – يقوم من الليل يصلي ما شاء الله له أن يصلي حتى يؤذن للفجر، فيوقظ أهله للصلاة فإن أبوا رش في وجوههم الماء١، لأن الصلاة خير من النوم، فالنوم في مثل هذا الوقت فيه راحة للبدن، أما الصلاة فهي أفضل وأعظم، ويكفي أنك تكون فيها في حضرة الله تعالى.
وهب أن رب الأسرة غاب عنها لمدة شهر أو عام، ثم فجأة قالوا : أبوكم جاء، فترى الجميع يهرولون إليه، وهكذا لله المثل الأعلى، إذا دعاك، فلا تتخلف عن دعوته، بل هرول إليه، وأسرع إلى تلبية ندائه، ولك أن تتصور واحدا يناديك وأنت لا ترد عليه ولا تجيبه، أعتقد أنه شيء غير مقبول، ولا يرضاه صاحبك.
إذن : عليك أن تعود أولادك احترام هذا النداء، وبمجرد أن يسمعوا ( الله أكبر ) يلبون النداء، لا يقدمون عليه شيئا آخر، فالله لا يبارك في عمل ألهاك عن نداء ( الله أكبر )، لأنك انشغلت بالنعمة عن المنعم عز وجل.
لذلك، إن أردت أن تعرف خير عناصر المجتمع فانظر إلى أسبقيتهم إلى إجابة نداء ( الله أكبر )، فإن أردت أن تعرف من هو أعلى منه منزلة، فانظر إلى آخرهم خروجا من المسجد، وليس كذلك من يأتي الصلاة دبرا، وبمجرد السلام يسرع إلى الانصراف.
ويروى أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عاب على أحد الصحابة إسراعه في الانصراف من المسجد بعد السلام، فتعمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يناديه في إحدى المرات، قال :( أزهدا فينا ) ؟
وهل هناك من يزهد في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم والجلوس معه ؟ فقال الرجل : لا يا رسول الله، ولكن لي زوجة بالبيت تنتظر ثوبي هذا لتصلي فيه، فيدعو له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصرف الرجل إلى زوجته، فإذا بها تقول له : تأخرت بقدر كذا تسبيحة، فقال : لقد استوقفني رسول الله وحدث كذا وكذا، فقالت له : شكوت ربك لمحمد ؟
ثم يقول تعالى : لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ.. ( ١٣٢ ) ( طه ).
إذن : ما الذي يشغلك عن حضرة ربك، الرزق : لا نسألك رزقا.. ( ١٣٢ ) ( طه ) : فالذي لا يستطيع العمل نوجه إليه من الأغنياء من يطرق بابه ويعطيه، فالغني شرط في إيمانه الفقير، وليس شرطا في إيمان الفقير الغني.
وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى ضرورة البحث عن الفقير، والطرق على بابه لإعطائه حقه في مال الغني، لا ينتظره حتى يسأل، ويريق ماء وجهه وهو يطلب حقا من حقوقه في مجتمع الإيمان.
وقوله : نحن نرزقك.. ( ١٣٢ ) ( طه ) : أي : لا نسألك رزقا ثم نتركك إنما لا نسألك ثم نحن نرزقك، فاطمئن إلى هذه المسألة.
وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ( ١٣٢ ) ( طه ) : لأنك إذا تأزمت معك أمور الحياة تلجأ إلى الله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قال إلى الصلاة، وتأزم الأمور يأتي حينما نفقد نحن الأسباب المعطاة من الله، فإذا فقدت الأسباب وضاقت بك الحيل لم يبق لك إلا أن تلجأ إلى المسبب سبحانه، كما يقول في آية أخرى :
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ( ٢ ) ويرزقه من حيث لا يحتسب.. ( ٣ ) ( الطلاق ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي