ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ( ٤٠ ) .
إذن : كان لأخت موسى دور في قصته، كما قال تعالى في موضع آخر : وقالت لأخته قصيه١فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ( ١١ ) ( القصص ).
والمراد : تتبعيه بعد أن علمت نجاته من اليم، فتتبعته، وعرفت أنه في بيت فرعون، ثم حرم الله عليه المراضع، فكان يعاف المرضعات، وهنا تدخلت أخته لتقول : هل أدلكم على من يكفله.. ( ٤٠ ) ( طه ) وهذا الترتيب لا يقدر عليه إلا الله.
ويقول تعالى : فرجعناك إلى أمك.. ( ٤٠ ) ( طه ) : حين نستقرئ مادة ( رجع ) في القرآن نجدها تأتي مرة لازمة كما في : ولما رجع موسى إلى قومه.. ( ١٥٠ ) ( الأعراف ).
وتأتي متعدية كما في : فرجعناك إلى أمك.. ( ٤٠ ) ( طه )، وفي : فإن رجعك الله إلى طائفة منهم.. ( ٨٣ ) ( التوبة ).
والفرق بين اللازم والمتعدي أن اللازم رجع بذاته، أما المتعدي فقد أرجعه غيره، فالرجوع أن تصير إلى حال كنت عليها وتركتها ؛ فإن رجعت بنفسك دون دوافع حملتك على الرجوع فالفعل لازم، فإن كانت هناك أمور دفعتك للرجوع فالفعل متعد.
ومثل : رجعك : أرجعك، إلا أن رجعك : الرجوع – في ظاهر الأمر منك من دون دوافع منك. وأرجعك : أي رغما عن إرادتك.
وقوله : كي تقر عينها.. ( ٤٠ ) ( طه ) : تقر العين : أي تثبت، لأن التطلعات إما أن تكون معنوية أو حسية، فالإنسان لديه أمان يتطلع إلى تحقيقها، فإذا ما تحققت نقول : لم يعد يتطلع إلى شيء.
وكذلك في الشيء الحسي، فالعرب يقولون للشيء الجميل : قيد النواظر. أي : يقيد العين فلا تتحول عنه ؛ لأن الإنسان لا يتحول عن الجميل إلا إذا رأى ما هو أجمل، وهذا ما يسمونه قرة العين، يعني الشيء الحسن الذي تستقر عنده العين ؛ ولا تطلب عليه مزيدا في الحسن.
ثم يقول تعالى : وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا.. ( ٤٠ ) ( طه ) : وهذه منة أخرى من منن الله تعالى على موسى عليه السلام، فمنن الله عليه كثيرة كما قال : ولقد مننا عليك مرة أخرى ( ٣٧ ) ( طه ) فهي مرة، لكن هناك مرات.
ومسألة القتل هذه وردت في قوله تعالى : ودخل المدينة على حين٢غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه.. ( ١٥ ) ( القصص ).
وخرج من المدينة٣خائفا يترقب الناس لئلا يلحقوا به فيقتلوه، وهذا معنى : فنجيناك من الغم.. ( ٤٠ ) ( طه ) : أي : من القتل، أو من الإمساك بك وفتناك فتونا.. ( ٤٠ ) ( طه ) : أي : عرضناك لمحن كثيرة، ثم نجيناك منها، أولها : أنك ولدت في عام يقتل فيه الأطفال، ثم رمتك أمك في اليم، ثم ما حدث منه مع فرعون لما جذبه من ذقنه.
ثم يقول تعالى : فلبثت سنين٤في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى ( ٤٠ ) ( طه ) : ذكر الله تعالى مدة مكثه في أهل مدين على أنها من مننه على موسى مع أنه كان فيها أجيرا، وقال عن نفسه : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ( ٢٤ ) ( القصص ).
وفي مدين تعرف على شعيب عليه السلام، وتزوج من ابنته وأنجب منها ولدا، وموسى في هذا كله غريب عن وطنه، بعيد عن أمه، فلما أراد الله له الرسالة شوقه إلى وطنه ورؤية أمه، وقدر له العودة ؛ فقال تعالى : ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ٥يَا مُوسَى ( ٤٠ ) ( طه ).
أي : على قدر من اصطفائك، فقدر الله هو الذي حرك في قلبك الشوق للعودة، وحملك على أن تمشي في الطريق غير المأهول، وتتحمل مشقة البرد وعناء السفر، قدر الله هو الذي حرك فيك خاطر الشوق لأمك، ففي طريق العودة وفي طوى أنت على موعد مع الاصطفاء والرسالة.
لذلك، فإن الشاعر الذي مدح الخليفة قال له :
جاء الخلافة أو كانت له قدرا****كما أتى ربه موسى على قدر

١ القص: اتباع الأثر. قال ابن كثير في تفسيره (٣ / ٣٨١): أي: (اتبعي أثره وخذي خبره وتطلبي شأنه من نواحي البلد)..
٢ أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أن فرعون ركب مركبا وليس عنده موسى، فلما جاء موسى عليه السلام قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره. فأدركه المقيل (وقت الظهيرة) بأرض يقال لها منف، فدخلها نصف النهار، وقد تغلقت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهي التي يقول الله تعالى: ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها................. (١٥) (القصص). (أورده السيوطي في الدر المنثور ٦ / ٣٩٧)..
٣ هي مدينة منف، وهي تقع الآن على مسافة ٢٨ كم جنوب القاهرة قرب ميت رهينة بالبدرشين بالجيزة وبها أهرامات سقارة، وكانت منف المدينة الأولى في مصر حتى بنيت مدينة الإسكندرية، وكانت منف حصنا قويا، وكانت تصنع بها أسلحة القتال وتبنى فيها سفن الأسطول. (معجم الحضارة المصرية القديمة – تأليف جورج بوزنر وآخرون – ترجمة أمين سلامة – الهيئة المصرية العامة للكتاب)..
٤ قال قتادة: مكث عشر سنسن، أورده السيوطي في الدر المنثور (٥ / ٥٧٩) وعزاه لعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقال وهب: لبثت عند شعيب ثماني وعشرين سنة، منها عشر مهر امرأته صفورا ابنة شعيب وثماني عشرة أقامها عنده حتى ولد له عنده..
٥ قال مجاهد: أي على موعد. وقال قتادة: على قدر الرسالة والنبوة أوردهما ابن كثير في تفسيره (٣ / ١٥٣)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير