ولتصنع على عيني قدرنا مشي أختك، وقولها: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ قال: وقيل أيضًا: ولتصنع على عيني فعلمنا ذلك، كما قلنا في مثل هذا في مواضع) (١).
٤٠ - قوله تعالى: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ [يعني حين قالت لها أم موسى: قصيه فاتبعت موسى على أثر الماء.
وقوله تعالى: فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ [القصص: ١٢] الآية. (٢)، قال الفراء: (كثير وهو من كلام العرب أن تجتزي بحذف كثير من الكلام إذا كان المعنى معروفًا) (٣).
وقوله تعالى: عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ أي: يرضعه ويضمه إليه (٤)، وذكرنا هذا عند قوله: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران: ٣٧]. فقيل له: ثم رددناك إليها كي تقر عينها بك وبرؤيتك. وذكرنا الكلام في قراءة العين عند قوله: وَقَرِّي عَيْنًا [مريم: ٢٦].
وقوله تعالى: وَقَتَلْتَ نَفْسًا يعني: القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه (٥).
(٢) في (ص) قال: (حين تركت موسى المراضع).
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٧٩.
(٤) "جامع البيان" ١٦/ ١٦٣، "الكشف والبيان" ٣/ ١٨ أ، "بحر العلوم" ٢/ ٣٤٠، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٧٣، "زاد المسير" ٥/ ٢٨٥.
(٥) كما قال سبحانه في سورة [القصص: ١٥]: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا =
وقوله تعالى: فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ قال ابن عباس: [(يريد الهم الذي كنت تخافه من عذاب الله، ومن قتل فرعون، فخلصناك منه حين هربت إلى مدين) (١).
وقوله: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: (أختبرناك اختبارًا) (٢). واختاره الزجاج، وابن قتيبة (٣).
وقال الفراء: (أبتليناك بغم القتل) (٤).
وتفسير وَفَتَنَّاكَ بالاختبار والابتلاء صحيح، إلا أنه لا يأتي بالمعنى هاهنا، والوجه ما ذكره ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد خلصناك إخلاصًا من الذبح وغيره) (٥). وهذا قول سعيد بن جبير حين سأله عن الفتون ما هو؟ في حديث طويل (٦).
(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" ١٦/ ١٦٤، "زاد المسير" ٥/ ٢٨٥، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٦٤، "التفسير الكبير" ٢٢/ ٥٤، "ارشاد العقل السليم" ٦/ ١٦.
(٢) "جامع البيان" ١٦/ ١٦٤، "الكشف والبيان" ٣/ ١٨ أ، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٧٣، "زاد المسير" ٥/ ٢٨٥، "الدر المنثور" ٤/ ٥٢٩.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٥٧، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٧٩.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٧٩.
(٥) "جامع البيان" ١٦/ ١٦٤، "الكشف" ٢/ ٢٣٧، "زاد المسير" ٥/ ٢٨٥.
(٦) "جامع البيان" ١٦/ ١٦٤، "بحر العلوم" ٢/ ٣٤٠، "الكشف" ٢/ ٥٣٧، "ابن كثير" ٣/ ١٦٤، وقال -رحمه الله- بعد أن ساق الحديث بطوله: وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس -رضي الله عنه- مما أبيح =
وعن مجاهد في رواية ابن أبي نجيح قال: (الفتون وقوعه في محنة خلصه الله منها أولها: أن أمه حملته في السنة التي كان يذبح الأطفال فيها، ثم: إلقاؤه في البحر، ثم: منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم: جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم: تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم: مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتله) (١). وهذا معنى قولهما وقد اختصرته. وكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير ويقول عند كل بلية: (هذا من الفتون يا ابن جبير) (٢). ويؤكد هذا ما روي عن سفيان أنه قال: (بلغني عن ابن عباس في هذه: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا قال: بلاء على كل بلاء) (٣). وعلى هذا معنى وَفَتَنَّاكَ: خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبيث وشائب (٤). والفتون مصدر.
قال ابن الأنباري في القول الأول: (معناه الامتحان الذي يبتلى معه صبر الممتحن، والأنبياء وأهل الخير يختبرهم الله تعالى ليسعدهم، ويجعل حسن العقبى لهم، فتفسير: وَفَتَنَّاكَ ابتليناك بغم القتل، يعني: قتل
انظر: "الدر المنثور" ٤/ ٥٣٠، "مجمع الزوائد" للهيثمي ٧/ ٦٦، وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير أصبغ بن زيد، والقاسم بن أبي أيوب وهما ثقتان.
(١) "جامع البيان" ١٦/ ١٦٤، "النكت والعيون" ٣/ ٤٠٣، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٧٣، "زاد المسير" ٥/ ٢٨٥، "الجامع" ١١/ ١٩٨.
(٢) "جامع البيان" ١٦/ ١٦٤، "بحر العلوم" ٢/ ٣٤١، "الكشاف" ٢/ ٥٣٧، "زاد المسير" ٥/ ٢٨٥، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٦٤، "الدر المنثور" ٤/ ٥٣٠.
(٣) "زاد المسير" ٥/ ٢٨٥.
(٤) انظر (فتن) في: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٤، "مقاييس اللغة" ٤/ ٤٧٢، "القاموس المحيط" (١٢٢٠)، "لسان العرب" ص ٣٣٤٤.
القبطي. والفتنة] (١) في القول الثاني: الإخلاص من قولهم: فتنته (٢) فتنة في النار، إذا خلصته مما يتعلق به مما يفسده) (٣).
وقوله تعالى: فَلَبِثْتَ سِنِينَ [نظم الآية: وفتناك فتونًا، فخرجت خائفًا إلى أهل مدين، فلبثت سنين] (٤) ولكنه من الحذف الذي ذكره الفراء (٥).
وقوله تعالى: فِي أَهْلِ مَدْيَنَ يعني بلد شعيب، وكان على ثمان مراحل من مصر. ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى قال ابن عباس: (يريد موافقًا للنبوة؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة) (٦).
وقال قتادة: (على قدر الرسالة والنبوة) (٧).
وقال ابن كيسان: (على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء) (٨). والعرب تقول: جاء فلان على قدر، إذا جاء لميقات
(٢) قوله: (فتنه) ساقط من نسختي: (س، ص).
(٣) ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" ٢/ ٥٣٧، "زاد المسير" ٥/ ٢٨٥، "البحر المحيط" ٦/ ٢٤٣.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).
(٥) "جامع البيان" ١٦/ ١٦٧، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٧٩.
(٦) "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ١٩٨.
(٧) "تفسير القرآن" للصنعاني ٢/ ١٦، "جامع البيان" ١٦/ ١٦٧، "النكت والعيون" ٣/ ٤٠٣، "ابن كثير" ٣/ ١٦٤.
(٨) "الكشف والبيان" ٣/ ١٨ أ، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٧٤، "القرطبي" ١١/ ١٩٨.
الحاجة إليه (١)، قال جرير (٢):
| نَالَ الخِلاَفَةَ إِذْ كَانَتْ لَه قَدَرًا | كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ |
وقال الفراء: (يريد على ما أراد الله من تكليمه) (٧). يعنىِ على ذلك السن. وقال الكلبي: (وافق الكلام عند الشجرة) (٨).
(٢) البيت لجرير من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-.
انظر: "ديوانه" ص ٢١١، "جامع البيان" ١٦/ ١٦٨، "النكت والعيون" ٣/ ٤٠٤، "الأضداد" ص ٢٧٩، "أمالي المرتضى" ٢/ ٥٧، "همع الهوامع" ١/ ١٦٧.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٥٧.
(٥) "جامع البيان" ١٦/ ١٦٨، "تفسير كتاب الله العزيز" ٣/ ٣٨، "النكت والعيون" ٣/ ٤٠٣، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ١٩٨، "ابن كثير" ٣/ ١٥٧.
(٦) "الكشف والبيان" ٣/ ١٨ أ، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٧٤، "القرطبي" ١١/ ١٩٨.
(٧) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٧٩.
(٨) "الكشف والبيان" ٣/ ١٨ أ.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي