ويقال إنهم شاهدوا ولم يشعروا أنه لم يحترق من أخذ الجمرة وهو صبي رضيع، ثم احترق لسانه، فعلم الكلّ أن هذا الأمر ليس بالقياس. فإنه سبحانه فعّال لما يريد.
قوله جل ذكره: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي أي أحببتك. ويقال فى لفظ الناس: فلان ألقى محبته على فلان أي أحبّه. ويقال «أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي» : أي طرحت فى قلوب الناس محبة لك، فالحقّ إذا أحبّ عبدا فكلّ من شاهده أحبّه. ويقال لملاحة فى عينيه فكان لا يراه أحد إلا أحبّه.
ويقال «أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي» : أي أثبتّ فى قلبك محبتى فإن محبه العبد لله لا تكون إلا بإثبات الحق- سبحانه- ذلك فى قلبه، وفى معناه أنشدوا:
| إنّ المحبة أمرها عجب | تلقى عليك وما لها سبب |
ويقال أحفظك من كل غير، ومن كلّ حديث سوى حديثنا. ويقال ما وكلنا حفظك إلى أحد.
قوله جل ذكره:
[سورة طه (٢٠) : آية ٤٠]
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠)
البلاء على حسب قوة صاحبه وضعفه، فكلما كان المرء أقوى كان بلاؤه أوفى «١»، وكلما كان أضعف كان بلاؤه أخف. وكانت أمّ موسى ضعيفة فردّ إليها ولدها بعد أيام، وكان يعقوب أقوى فى حاله فلم يعد إليه يوسف إلا بعد سنين طويلة.
قوله جل ذكره: وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِ
أجرى الله عليه ما هو فى صورة كبيرة من قتل النّفس بغير حق، ثم بيّن الله أنه لا يضره ذلك، فليست العبرة بفعل العبد فى قلّته وكثرته إنما العبرة بعناية الحقّ، بشأن أحد أو عداوته.
ويقال قد لا يموت كثير من الخلق بفنون من العذاب، وكم من أناس لا يموتون وقد ضربوا ألوفا من السياط! وصاحب موسى عليه السلام ومقتوله مات بوكزة! إيش «١» الذي أوجب وفاته لولا أنه أراد به فتنة لموسى؟ وفى بعض الكتب أنه- سبحانه- أقام موسى كذا وكذا مقاما، وأسمعه كلامه كل مرة بإسماع آخر، وفى كل مرة كان يقول له:
«وَقَتَلْتَ نَفْساً».
«فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ» : أريناك عين الجمع حتى زال عنك ما داخلك من الغمّ بصفة مقتضى التفرقة، فلمّا أريناك سرّ جريان التقدير نجيّناك من الغم.
قوله جل ذكره: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً.
استخلصناك لنا حتى لا تكون لغيرنا. ويقال جنّسنا عليك البلاء ونوّعناه حتى جرّدناك عن كل اختيار وإرادة، ثم حينئذ رقّيناك إلى ما استوجبته من العلم الذي أهلناك له.
قوله جل ذكره: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ.
وكنت عند الناس أنك أجير لشعيب، ولم يظهر لهم ما أودعنا فيك، وكان يكفى- عندهم- أن تكون ختنا «٢» لشعيب.
ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى.
أي عددنا أيام كونك فى مدين شعيب، وكان أهل حضرتنا من الملائكة الذين عرفوا شرفك ومحبّتك منتظرين لك فجئت على قدر.
(٢) أي زوجا لابنته، وفي الحديث «علىّ ختن رسول الله»
تفسير القشيري
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
إبراهيم البسيوني