قوله : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً قرأ أبو معاذ١ " قَوْلاً لَيْناً " وهو تخفيف من لَيِّن كَمَيْت في ميِّت٢.
وقوله :" لَعَلَّهُ " فيه أوجه :
أحدها : أن " لَعَلَّ " على بابها للترجي، وذلك بالنسبة إلى المرسل وهو موسى وهارون، أي اذهبا على رجائكما وطمعكما في إيمانه أي٣ اذهبا مترجَيْن طامعَيْن، وهذا معنى قول الزمخشري٤ ولا يستقيم أن يرد ذلك في حق الله٥ تعالى، إذ هو٦ عالم بعواقب الأمور. وعن سيبويه : كل ما ورد في القرآن من ( لَعَلَّ، وَعَسَى ) فهو من عند الله واجب. يعني أنه يستحيل بقاء٧ معناه في حق الله تعالى.
والثاني : أنَّ " لَعَلَّ " بمعنى ( كَيْ ) فتفيد العلية، وهذا قول الفراء قال : كما تقول : اعْمَلْ لَعَلَّكَ تأخذُ أجرَكَ، أي : كي تأخذَ٨.
والثالث : أنها استفهامية، أي : هل يتذكر أو يخشى٩ ؟
وهذا قول ساقط، وذلك أنه يستحيل الاستفهام في حق الله تعالى كما يستحيل الترجي، فإذا كان لا بد من التأويل فجَعْلُ اللفظ على مدلوله باقياً أولى من إخراجه عنه.
فإن قيل : لِمَ أمر الله تعالى باللين مع الكافر الجاحد ؟ فالجواب من وجهين :
أحدهما١٠ : أنه قد ربَّى موسى -عليه السلام-١١ فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق، وهاذ تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين.
والثاني : أنَّ من عادة الجبابرة إذا غُلِّظ١٢ لهم١٣ في الوعظ١٤ أن يزدادوا عتواً وتكبُّراً.
والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر، فلهذا أمر الله تعالى بالرفق١٥.
قوله : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى أي يتعظ ويخاف.
فصل
اختلفوا في ذلك القول اللين١٦، فقال ابن عباس : لا تعنِّفا في قولكما١٧.
وقال السُّدِّي وعكرمة : كَنَّياه، فقولا : يا أبا العباس. وقيل : يا أبا الوليد١٨.
وقال مقاتل : القول الليِّن : هَل لَّكَ إلى أَن تزكى وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى١٩ ٢٠، وقولهما٢١ : فقولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ ٢٢ إلى قوله : والسلام على مَنِ اتبع الهدى ٢٣.
وقال السدي٢٤ : القول اللِّين أن موسى أتاه ووعده على قبول الإيمان شباباً لا يهرم، ومُلْكاً لا ينزعُ منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم٢٥، والمشرب، والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة. فأعجبه٢٦ ذلك، وكان لا يقطع أمراً دون هامان، وكان غائباً، فلما قَدِم أخبره بالذي٢٧ دعاه إليه موسى، قال : أردتُ أنْ أقبل مِنْه. فقال له هامان : كنت أرى عقلاً ورأياً، أنت ربٌّ تريد أن تكون مربوباً، وأنت تُعْبَدُ تريدُ٢٨ أن تَعْبُدَ، فقلبه عن رأيه٢٩.
فصل
قال ابن الخطيب : هذا التكليف لا يعلم سره إلا الله تعالى، لما٣٠ علم أنه لا يؤمن قط كان٣١ إيمانه ضداً لذلك العلم الذي يمتنع زواله، فيكون سبحانه عالماً بامتناع ذلك الإيمان، وإذا كان عالماً بذلك، فكيف أمر موسى بذلك الرفق، وكيف بالغ في الأمر بتلطف دعوته٣٢ إلى الله -تعالى- مع علمه باستحالة حصول٣٣ ذلك منه ؟ ثم هَبْ أن المعتزلة ينازعون٣٤ في هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة في٣٥ هذا السؤال، ولكنهم سلموا أنه كان عالماً بأن لا يحصل ذلك الإيمان، وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى -عليه السلام٣٦- إلا استحقاق العذاب، والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكيناً من عَلِمَ قَطعاً أنه يمزق به بطن نفسه٣٧، ثم يقول : إني ما أردت بدفع السكين إليه٣٨ إلا الإحسان إليه ؟ يا أخي : العقولُ قاصرةٌ عن معرفة هذه الأسرار، ولا سبيل فيها إلا التسليم، وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان، ويروى عن كعب أنه قال : والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب٣٩ في التوراة " فَقُولاَ لَهُ قََوْلاً لَيِّناً وسَأقْسي قلبَه فلا يؤمن " ٤٠.
٢ المختصر (٨٨)، الكشاف ٣/٤٣٤، البحر المحيط ٦/٢٤٦..
٣ أي: سقط من ب..
٤ أي: أنه يصرف الرجاء للمخاطبين. الكشاف ٢/٤٣٤..
٥ في ب: في قوله. وهو تحريف..
٦ في ب: لأنه..
٧ في الأصل: إبقاء..
٨ انظر قول الفراء في البحر المحيط ٦/٢٤٦. وممن أثبت هذا المعنى أيضا الكسائي والأخفش، فقال الأخفش (وقال: "لعله يتذكر" نحو قول الرجل لصاحبه: افرغ لعنا نتغدّى والمعنى: لنتغدّى وحتى نتغدّى. وتقول للرجل: عمل عملك لعلك تأخذ أجرك أي لتأخذه) معاني القرآن ٢/٦٣١، وانظر المغنى ١/٢٨٨..
٩ أثبته الكوفيون قال ابن هشام : ولهذا علِّق بها الفعل في نحو: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: ١] ونحو وما يدريك لعله يزّكّى [عبس: ٣] المغني ١/٢٨٨ وهذان المعنيان (التعليل والاستفهام) لا يثبتهما البصريون ورجعوا هذه المعاني إلى الترجي والإشفاق انظر شرح التصريح ١/٢١٣، والهمع ١/١٣٤..
١٠ في ب: الأول..
١١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٢ في الأصل: أغلظ..
١٣ في ب: عليهم..
١٤ في ب: في اللفظ والوعظ..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٥٨..
١٦ قوله: سقط من ب..
١٧ في ب: واللين. وهو تحريف..
١٨ انظر البغوي ٥/٤٣٢..
١٩ المرجع السابق..
٢٠ [النازعات: ١٨ – ١٩]..
٢١ البغوي ٥/٤٣٢..
٢٢ في ب: وقوله..
٢٣ [طه: ٤٧]..
٢٤ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤٣٢ – ٤٣٣..
٢٥ في ب: الطعم..
٢٦ في ب: وأعجبه..
٢٧ في ب: بالأمر الذي..
٢٨ في ب: وتريد..
٢٩ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤٣٢ – ٤٣٣..
٣٠ لما: سقط من ب..
٣١ في ب: وكان..
٣٢ في ب: دعواه..
٣٣ في ب: حصوله. وهو تحريف..
٣٤ في ب: تنازعوا. وهو تحريف..
٣٥ في ب: شبه ما وجه. وهو تحريف..
٣٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٧ في ب: حتف أنفه. وهو تحريف..
٣٨ إليه: سقط من ب..
٣٩ في ب: المكتوب. وهو تحريف..
٤٠ الفخر الرازي ٢٢/٥٩..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود