قوله : الرَّحْمانُ العامة على رفعه، وفيه أوجه :
أحدها : أنه بدل من الضمير المستكن في " خَلَقَ " ذكره ابن عطية١، ورده أبو حيان بأن البدل يحل محل المبدل منه، ولو حل محله لم يجز لخلو الجملة الموصولة بها من رابط يربطها به٢.
الثاني : أن يرتفع على خبر مبتدأ مضمر تقديره : هو الرحمن٣.
الثالث : أن يرتفع على الابتداء مشاراً إلى " مَنْ خَلَقَ " والجملة بعده خبر. وقرأ جناح بن حُبَيش :" الرَّحْمنِ " مجروراً٤، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه بدل من الموصول. لا يقال : إنه يؤدي إلى البدل بالمشتق وهو قليل، لأن ( الرحمن ) يجري مجرى الجوامد لكثرة إيلائه العوامل٥.
والثاني : أن يكون صفة للموصول أيضاً٦.
قال أبو حيان : ومذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص ك " مَنْ " و " مَا " لا يوصف منها إلاَّ الذي وحده، فعلى مذهبهم لا يجوز أن يكون صفة٧. قال ذلك كالراد على الزمخشري.
والجملة في قوله٨ : عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى خَبَر لقوله الرَّحْمنُ على القول : بأنه مبتدأ، أو خبر مبتدأ مضمر، إن قيل : إنه مرفوع على خبر مبتدأ مضمر٩، وكذلك في قراءة مَنْ جرَّه١٠. وفاعل " اسْتَوَى " ضمير يعود على " الرَّحْمانُ ". وقيل : بل فاعله " مَا " الموصولة١١ بعده١٢، أي : استوى الذي له ما في السموات قال أبو البقاء : وقال بعضُ الغلاةِ١٣ :" مَا " ١٤ فاعل " اسْتَوَى "، وهذا بعيد، ثم هو غير نافع له في التأويل، إذ يبقى قوله : الرَّحْمنُ عَلَى العَرشِ اسْتَوَى كلاماً تامّاً ومنه هرب١٥. قال شهابُ الدين : هذا يُروى١٦ عن ابن عبَّاس، وأنَّه كان يقفُ على لفظ " العَرْشِ " ثم يبتدئ ب١٧ " اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ "، وهذا لا يصح عنه١٨.
٢ قال أبو حيان: (وأرى أن مثل هذا لا يجوز، لأن البدل يحل محل المبدل منه و(الرحمان) لا يمكن أن يحل محل الضمير، لأن الضمير عائد على (من) الموصولة، و (خَلَق) صلة، والرابط هو الضمير فلا محل محله الظاهر لعدم الرابط). البحر المحيط ٦/٢٦٦..
٣ قال الزمخشري: والرفع أحسن لأنه إما أن يكون رفعا على المدح على تقدير هو الرحمن، وإما أن يكون مبتدأ مشارا بلامه إلى "من خلق" الكشاف ٢/٤٢٧..
٤ المختصر (٨٧)، البحر المحيط ٦/٢٢٦..
٥ أي أنه بدل من الموصول في قوله ممن خلق في الآية السابقة. قاله الزجاج. معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٥٠، وانظر البحر المحيط ٦/٢٢٦..
٦ أي أنه صفة للموصول في قوله ممن خلق في الآية السابقة. قاله الزمخشري. الكشاف ٢/٤٢٧..
٧ وهو كما في البحر المحيط (ومذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلاتها نحن (من) و(ما) لا يجوز نعتها إلا (الذي) و(التي) فيجوز نعتها فعلى مذهبهم لا يجوز أن يكون "الرحمن" صفة لـ "من" ٦/٢٢٦.
بناء منه على أن الموصول لا ينعت، لأنه كجزء الكلمة ولا يتم إلا بصلته وجزء الكلمة لا ينعت، إلا المقرون بأل منه كالذي والتي، لأنه يوصف به ويصغر ويثنى ويجمع، وقد جوز السيوطي أيضا نعت (من) و(ما) تقول: جاءني من في الدار العاقل، ونظرت إلى ما اشتريت الحسن. انظر الهمع ٢/١١٨..
٨ في ب: قولك. وهو تحريف..
٩ في ب: أو مضمر. و هو تحريف..
١٠ انظر الكشاف ٢/٤٢٧..
١١ في ب: وقيل بل لا فاعله الموصول. وهو تحريف..
١٢ من قوله تعالى: "له ما في السماوات وما في الأرض" من الآية التي بعدها..
١٣ في ب: الغلا. وهو تحريف..
١٤ ما : سقط من ب..
١٥ التبيان ٢/٨٨٥..
١٦ في ب: مروى..
١٧ بـ: سقط من ب..
١٨ الدر المصون ٥/٢٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود