٣٠٩- قال الشافعي : واعلموا أن الله تعالى لا مكان له، والدليل عليه هو أن الله تعالى كان ولا مكان له، فخلق المكان، وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلقه المكان، إذ لا يجوز عليه التغير في ذاته، ولا التبدل في صفاته. ولأن من له مكان فله تحت ومن له تحت يكون متناهي الذات محدودا، والمحدود مخلوق، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولهذا المعنى استحال عليه الزوجة والولد، لأن ذلك لا يتم إلا بالمباشرة والاتصال والانفصال، ومن يستحيل عليه التجزئة والتبعيض لا يتوهم منه الاتصال والانفصال، فلذلك كان الزوج والزوجة والولد في صفته محالا.
فإن قيل : أليس قد قال الله تعالى : اَلرَّحْمَانُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى ؟ يقال : إن هذه الآية من المتشابهات، والذي نختار من الجواب عنها وعن أمثالها لمن لا يريد التبحر في العلم أن يمر بها كما جاءت ولا يبحث عنها ولا يتكلم فيها، لأنه لا يأمن من الوقوع في ورطة التشبيه إذا لم يكن راسخا في العلم. ويجب أن يعتقد في صفات الباري تعالى ما ذكرناه وأنه لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، منزه عن الحدود والنهايات، مستغن عن المكان والجهات، ويتخلص من المهالك والشبهات.
ولهذا المعنى زجر مالك رجلا حين سأله عن هذه الآية فقال : الاستواء مذكور، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة١. ثم قال : وإن عدت إلى مثله أمرت بضرب رقبتك. أعاذنا الله وإياكم من التشبيه. ( الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر ص : ١٣-١٤. )
وقد سئل عن الاستواء باقي الأئمة رضي الله عنهم:
فقال الإمام الشافعي: استوى بلا شبهة، وصدّقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإدراك، وأمسك عن الخوض في ذلك كل الإمساك.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: استوى كما أخبر، لا كما يخطر للبشر.
وقال الإمام أبو حنيفة: من قال لا أعرف الله في السماء أم في الأرض كَفَرَ لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا، ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه. ن الرائد في علم العقائد ص: ٨١..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي