ﮉﮊﮋﮌ

فالآية السابقة أعطتنا مظهرا من مظاهر العطف والرحمة، وهذه تعطينا مظهرا من مظاهر القهر والغلبة، واستواء الرحمن – تبارك وتعالى – على العرش يؤخذ في إطار ليس كمثله شيء.. ( ١١ ) ( الشورى )وسبق أن تكلمنا في الصفات المشتركة بين الحق سبحانه وبين خلقه، فلك سمع وبصر، ولله سمع وبصر، لكن إياك أن تظن أن سمع الله كسمعك، أو أن بصره كبصرك.
كذلك في مسألة الاستواء على العرش، فللحق سبحانه استواء على عرشه، لكنه ليس كاستوائك أنت على الكرسي مثلا١.
والعرش في عرف العرب هو سرير الملك، وهل يجلس الملك على سريره ليباشر أمر مملكته ويدير شئونها إلا بعد أن يستتب له الأمر ؟
وكذلك الخالق – جل وعلا – خلق الكون بأرضه وسمائه، وخلق الخلق، وأنزل القرآن لينظم حياتهم، وبعد أن استتب له الأمر لم يترك الكون هكذا يعمل ميكانيكيا، ولم ينعزل عن كونه وعن خلقه ؛ لأنهم في حاجة إلى قيوميته تعالى في خلقه.
ألم يقل الحق سبحانه في الحديث القدسي :( يا عبادي، ناموا ملء جفونكم، لأني قيوم لا أنام )٢.
فكون الله ليس آلة تعمل من تلقاء نفسها، وإنما هو قائم بقيوميته عليه لا يخرج عنها ؛ لذلك كانت المعجزات التي تخرق نواميس الكون دليلا على هذه القيومية.

١ قال القرطبي في تفسيره (٦ / ٤٣٤١): (الذي ذهب إليه الشيخ أبو الحسن وغيره أنه مستو على عرشه بغير حد ولا كيف، كما يكون استواء المخلوقين. وقال ابن عباس: يريد خلق ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة وبعد القيامة). وقال ابن كثير في تفسيره (٣ / ١٤٢): (المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف: إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل)..
٢ أورد ابن كثير في تفسيره (١ / ٣٠٩) عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله، فناداه ربه عز و جل: يا موسى سألوك هل ينام ربك؟ فخذ زجاجتين في يديك، فقم الليلة. فعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا. فقال: يا موسى لو كنت أنام لسقطت السماوات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك).
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير